الأربعاء، 25 مارس 2015

دراسة نقدية

سؤال الهوية..سؤال الكتابة في مجموعة"سيدة المكان" لصفاء عبد المنعم
سؤال الهوية..سؤال الكتابة في مجموعة"سيدة المكان"
د.هويدا صالح
الكتابة قلق وجودي نابع من حيرة المبدع أمام الكون، هي انفجار لألغام الذات في وجه العالم، تراوح بين الشك واليقين،تبحث لها عن مستقر يبدو مستعصيا أو مستحيلا . الكتابة لملمة أشلاء الذات التي تناثرت في معركة وجودية،ويعمل على تسويتها هيكلا، لكن الكاتب غالبا يجد نفسه مدفوعا إلى المساحات البيضاء لينثر قلقه،وانتفاضاته ضد الرداءة المحيطة بالعالم.
ربما هذا ما شعرت به وأنا أقرأ مجموعة صفاء عبد المنعم " سيدة المكان" التي صدرت عن دار وعد مؤخرا، فقد طرحت قلقها الوجودي تجاه العالم ، تجاه الشعور بزعزعة موضع الذات في مواجهة أسئلة الوجود، وأسئلة الهوية ، الهوية الثقافية للذوات التي تحرص الكاتبة على كشف عوالمهم.تبدأ الكاتبة عوالمها بعتبة الإهداء، الذي يكون بالضرورة لأمها، لأنها سيدة المكان، ثم تأتي عتبة التصدير بنص من الكتاب المقدس، وتتركنا نتساءل عن الأهوج في الهيكل، فهل نجد له تجليات في النص؟:" الأهواج في الهيكل،فهو كشجرة في العراء،تفقد أوراقها فجأة، وتبلغ نهايتها في أحواض بناء السفن،أو تعوم بعيدا عن مكانها، وتدفن في كفن من اللهيب". هذه الاستعارة النصية تشير إلى تمثلات الذات في النص، يأتي النص الأول "نقوش" ليجسد رؤية الكاتبة للهوية الثقافية المصرية، ومحاولة الاحتماء بالماضي، لرداءة الحاضر وقسوته،فالبطلة تذهب إلى مصر الفاطمية والمملوكية، لتواجه بلوحة من ذلك العصر، فتفجر فيها اللوحة الحنين والنوستالجيا للعصور التي كانت فيها مصر قوية، وتعري من خلالها الواقع الآني، وكيف تاهت الذات في هذا الحاضر، وحاولت الدخول إلى الماضي/ اللوحة:"تشاغلت عيناي بمتابعة النقش البارز في اللوحة المعلقة عاليا، وطنين الأغاني المتلاحقة يأتيني من الشارع، يخرجني من غفوتي المتشاغلة بالنظر إلى السقف، كانت اللوحة الكبيرة عبارة عن سوق كبير للعامة في مصر القديمة،وربما تحديدا في العصر الفاطمي أو المملوكي".
نلحظ انحياز الكاتبة للعالم الافتراضي والزمن الذي تمثله اللوحة، على حساب اللحظة الراهنة التي تمثل بالنسبة لها قهرا:"رائحة البخور في يد الدرويش،يثير في اللوحة دخانه،طاقاته، وتذوب اللحظات بطيئة بين عين الواقفة المتأملة، وعين الجميلة في اللوحة العالية، بعد أن زهقت من الفوضى والارتجال،تريد أن توضح ماهية الأشياء، تريد أن تقبض على اللذة الهاربة والمتعة الأبدية".
رداءة الواقع والحنين لزمن فات لم يكن سمة النص الأول"نقش"فقط، بل  النص الثاني "أخيرا يوجد مطر " تغرق فيه الساردة في الحنين، والرغبة في الرجوع إلى زمن فات، فثمة امرأة وحيدة تجلس في شرفة حجرتها تحيك قمصانها، وتتذكر عمرها الفائت:"ستجلس تحيك قميصا مبتلا وتنزل ستائر الدانتيلا دون أن تبتهج،دون أن تنظر إلى الشرفات،دون أن تدمع عيناها، فقط تجلس تخيط قميصا،تغلق عينيها على المشهد،وتسبح مع الأحلام، مع المطر، تنزلق من الشرفة إلى الشارع، تزيح المارين أمامها، ينزلق شعرها الأبيض منسابا، ناعما، هادئا، مبتلا، تنزلق الأيام على تنورتها، فتسير عبر الطرقات بلا تنورة، بلا حذاء،بلا أيام/بلا قميص تحيكه،فقط تسير مع المطر". في قصة"سيدة المكان" تكشف جانبا آخر من الصورة، جانبا من حياة  تلك الساردة التي تقرر أن تعود لمرتع طفولتها، للحظاتها الحميمة في بيت الجدة الذي عاشت فيه العائلة، وحين تعود للمكان، تنسلخ من أيامها وترجع طفلة صغيرة، نسمع صوتها وهي تحادث أباها، ونرى عيونها وهي تقفز فرحة حينما تجلسها الجدة هي وبقية أطفال البيت لتحكي لهم حكاياها، ونشم رائحة طعام أمها:"ورأيتني وجها لوجه أمام بيت قديم، عشت طويلا أبتعد عنه كلما مررت به، وكلما طرأت مهمة تستدعي أن أهبط إلى مكان طفولتي..أهرب..وهكذا دفعني، وقفت أنظر إليه، لقد شاخت ملامحه، وتهدلت،صدأ بمرور السنين، صار رماديا وهشا،لونه غريبا عليّ،كأنني أراه لأول مرة.سرت في الشارع،حاولت المراوغة،حاولت الهروب،لكنه دفعني ووجدتني مندفعة بقوة لا إرادية، أصعد السلم، أتأمله".

وهكذا تواصل صفاء عبد المنعم كشف تلك اللحظات الإنسانية التي تمر بها الذوات في أكثر من ثلاثين نصا قصصيا بلغة مشهدية بصرية تقدم لنا رؤية شعرية للعالم، كاشفة عن رداءة الواقع التي تجعل من حياة الذات الساردة كحياة الأهوج في الهيكل.

الجمعة، 20 مارس 2015

شهادة



عُرس الميتة
إلى نعمات البحيرى

     فى عام 1983 قرأت قصة قصيرة فى مجلة الدوحة ، وأعجبت بها كثيرا لأننى رأيت أنها فى ذلك الوقت تعبر عن حال كثير من الفتيات فى هذا السن تحديدا ( سن الزواج) ، وعرفت أن القصة لكاتبة اسمها نعمات البحيرى ، وظل ذهنى معلقا بهذا الأسم وأبحث عنه كثيرا فى الجرائد والمجلات ، وفى مرة من المرات كنت ذاهبة إلى مجلة إبداع أنا وصديق لى وفى الطريق أشار نحو فتاة جميلة رشيقة  تسير امامنا ، وقال :  لى دى الكاتبة نعمات البحيرى ، يومها خجلت أن أوقفها فى الطريق واسلم عليها ، ولكننى ظلتت متتبعة خطواتها إلى أن أختفت بعيدا عن عينىّ ، وظلت ذاكرتى تحفظ خطواتها ، وكتاباتها ، إلى أن أصبحت كاتبة ولى كتابين فى السوق ، ومازلت أشترى أعمالها الأدبية مثل (ضلع أعوج  والعاشقون ..) وغيرها من الإبداعات الكثيرة ، وعندما صدرت لها مجموعة أرتحالات اللؤلؤء عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ، عرفت لحظتها أننى أمام كاتبة تبحث عن كل ماهو جديد ومغاير ومختلف فى الكتابة ، ولكنها مازالت تكتب عن ذاتها المحاصرة بألاف العيون .
فى عام 1999 وجدتها أمامى فجأة بوجهها الذى ظلتت أذكره منذ رايتها فى الطريق ، ترتدى بلوزة سوداء وجيب أسود ، وتقول لى بحب : البقية فى حياتك .
ومن يومها  صرنا صديقتين ،إلى أن توفيت فى عام 2009 .
وقبل وفاتها كتبت عنها دراسة مطولة ( شاى القمر ياقمر)  نشرت فى مجلة الثقافة الجديدة على إثر مجموعة صدرت لها باسم (شاى القمر) لقد فتنت بكتابات نعمات البحيرى فتنتة قوية ، كما فتنت بشخصيتها وتحديها للواقع بشقيه الذكورى المتسلط ، والعمل المؤسسى المرهق ، وزاد أعجابى برواية ( أشجار قليلة عند المنحنى ) والتى كانت تدور عن وجودها فى العراق والزواج من شاعر عراقى والإقامة هناك ، والصراع القوى على جميع الجبهات ( الحب والسياسة والواقع الإجتماعى والثقافى..الخ)  وكان ذلك فى عهد الرئيس صدام حسين والذى كانت تجد صورته فى كل مكان حتى فى دورات المياة ، وحزب البعث وأفكاره ، والبرص المتربص بها دائما والذى تراه أينما ذهبت ، حتى فى أحلامها .
ثم توطدت العلاقة بينى وبينها كثيرا عندما سكنت فى مدينة 6 أكتوبر فكان الطريق من ميدان لبنان عبر المحور إلى 6 أكتوبر سهلا وقصيرا ، فتقريبا كنت أرها أسبوعيا وخصوصا بعد إصابتها بالمرض الذى توفيت على إثره تمتاز الكاتبة نعمات البحيرى بقوة محارب ، وصبر زاهد ، ونقاء طفولى ، كنت أحب النظر إلى عينيها عندما تكون منتشية أو كتبت نصا جديدا ، كانت عيناها تشبه عين القطط ذات لمعة شديدة ووهج جميل .. كنا نجلس أنا وهى فى شرفة شقتها والمطلة على البراح الواسع وغروب الشمس أمامنا ، فكانت تحكى وتضحك ، تحكى وتضحك ، كانت حكاءة جميلة ، لقد تغلبت نعمات البحيرى على مرضها بالضحك وحب الأصدقاء والكتابة ، ولكن المرض العين كان ينهش جسدها نهشا ، وقليلا ماكانت تتحدث عن ألمها ومعانتها الشديدة ، وقد كتبت عن تجربة المرض كتاب ( يوميات امرأة مشعة ) يالله ، كيف ترضى لعبادك كل هذا الألم وتعطيهم كل هذه السعادة ، ثم تنتزعها منهم بسهولة ويسر !!!!!!!!!!!
بعد وفاتها ،ظللت لفترة طويلة لا أصدق أن رحلت ، وأن جرس التليفون لن يدق ، ولن اسمع صوتها وضحكتها ثانية ، ظلت روحها تطاردنى وتحثنى على الكتابة إلى أن كتبت رواية ( بيت فنانة ) ونعمات إحدى الشخصيات داخلها ، ثم أهديتها لها ..الأهداء إلى روح الكاتبة / نعمات البحيرى .
"هناك كثيرون ساروا مع الرب مرحلة ، ولكنهم لم يكملوا الطريق ، ولم يقدروا أن يحملوا صليبهم حتى النهاية ، وخانوا عهودهم مع الرب ، إذ عادوا للخطيئة مرة أخرى". – الإنجيل –

" ها أنا أريد النوم !
  وهى تريد الحكى!
كانت حكاءة بارعة ، ولها أسلوب شيق ولذيذ مثل كتاباتها ، وكانت عيناها تشع بهجة وحياة ، بهما لمعة تشبه لمعة عيون القطط تضىء الليل بالسعادة والفرح .
امرأة تقبل على الحياة بحب وبشراهة إقبال الموت على الطفال الرضع ، الموت يلتهم الأجساد النابضة بالحياة فيخرسها ، كان بيتها يشع بهجة وحب وألفة ومقدرة على فتح ذراعيها للجميع .
وأخذت تضحك وهى تعد لى مكانا مريحا للنوم ، وتسمعنى شريط أم كلثوم ( أنت عمرى)  وتقول :
أنا هاعمل جمعية للأرامل والمطلقات .
ثم ضحكت بعد ذلك .
ولا أقولك ، أعمل جمعية للكاتبات خارج الدعم .
ثم صمتت برقة وقالت :
هاعمل جمعية البطة السودة !!
وضحكنا .. ضحكنا حتى طلوع الفجر ."
كانت نعمات البحيرى بحسها الفطرى وذكائها اللماح ترى أننا كاتبات خارج الدعم لا توجد مؤسسة تتبنى كتابتنا ولا تنشر أو تروج لنا وكنا تقدمنا للتفرغ ولم نحصل عليه إلا مرة واحدة ، وبعدها من صمت وترك الفكرة ومن واصل ومن أخذ بعد إلحاح شديد ، كنا كاتبات مهمشات لا نأخذ جوائز ، وترجمة ولا سفر ولا ندعى للمؤتمرات إلا نادرا .
لهذا نحن غير مبشرات بجنة المجلس الأعلى للثقافة ولا المرسسات التى على شاكلته ، ونعمات البحيرى حصلت على الجائزة بعد إلحاح شديد على إثر مرضها .. رحمك الله ياصديقتى الجميلة ، كم أفتقدك الآن كثيرا .

                                                       صفاء عبد المنعم
                                                        يناير 2015
 

الخميس، 19 مارس 2015

دراسة

صورة الجسد ..بين الذات والموضوع
قراءة فى قصص صفاء عبد المنعم 
(1)

إذا كان ثمة جيل من المبدعين الجدد يعانى إحساساً بالبدد والتوزع ، فإن هذا الإحساس يعكس ذاتاً تحتشد بمعانى التهميش والفقد واضمحلال الفاعلية ، وربما يزيد هذا الإحساس قسوة عندما يقع المبدع بين وعيين ، وعيه بأهمية دورة وقدراته وتفرده ، ووعيه بعجزه عن المشاركة الحقيقية الفاعلة فى واقع يحكمه إما المقدس وإما الأقوياء ، هذه المواجهة غير العادلة تبدد يقينه بذاته ، بمعنى أنها لم تعد ذاتاً مؤهلة لحمل الرسالات العظمى ، وتغيير الواقع .
إن هذه المفارقة بين وعيين ( التمايز والعجز ) تصنع – في المقابل – موفقين مفارقين – أيضا – موقف المتمرد الرافض لواقع مفكك ومتهالك ، وموقف المستسلم لخديعة كبرى اسمها الواقع ، وهو ما يضع الذات في حالة من الاضطراب ، والقلق المستمر الذي يعرضها للتقويض والتفكك ، إنها ذات تنسحب من فضاء القيمة والمعنى ، لتتحول إلى كم مهمل من الأشياء الزائدة عن الحاجة " الأشياء الأليفة تخدعك للغاية ، في بساطتها ، تواجدها ، إذا بتها داخلك" (1)
ففى قصة " أشياء صغيرة أليفة " (2)، تواجهنا الكاتبة صفاء عبد المنعم ، بحشد لمفردات الواقع اليومى المستهلك لقدراتنا وطاقتنا " مروراً بالوقت ، الأولاد ، الدروس الخصوصية، وانتهاء بالبيت ، والصابون ، وصوت الموسيقى "
وليس من قبيل المصادفة أن تبدأ القصة بهذا الحشد للأشياء الاستهلاكية ، أو أن تبدأ الجملة الأولى بإشارة إلى الزمن ( مرورا بالوقت ) ، فحركة الزمن فى عمر الإنسان تتجه بالضرورة لمزيد من العجز ، هذا هو قانون الحياة المخادع " الحياة تتحرك باتجاه الموت" ، وسوف نرى أن هذه الفكرة تتعمق كثيراً فى مجموعتها التالية ، بنات فى بنات (3)، حيث يصبح الموت هو الهاجس المسيطر على كل قصصها ، وتتعمق إشكالية الزمن على نحو يعكس رغبة عارمة فى تثبيته ، ووقف زحفه .
الحياة تتحرك باتجاه الموت ، هذا القانون الملوح بحرية مزعومة هى فى الحقيقة مزيد من الاعتداء والقهر " أنت الآن حرة فى شرب الشاى ، مد ساقيك ، غسل الكوب أو تركه ، صحتك ، حديثك ، حرة إلى مدى خرق عينيك فى صورة زواجك أو تقطيعها، إنه الشتاء " . 
سيرتبط الشتاء دلالياً بالزمن وسنرى كيف تسيطر هذه اللفظة ( الشتاء ) على مقدرات السرد فى مجموعتها التالية بنات فى بنات . 
والراوية تمارس نفس اللعبة ، لعبة المخادعات الصغيرة ، تمارسها بكل قوانينها ، لا لتستمتع بها ، أو لتحرز مكاسبها ، بل لتكتشف بنفسها قوانين اللعبة وما تنطوى عليها من ضلال وخديعة.
يبدو الجسد غطاء للذات وملاذاً أخيراً وليس مجرد موضوع لها، فبعد تفكك الذات واهتزاز صورتها الجمعية ، فان الجسد يسعى للقيام منفرداً بدور الذات ليس بنفيها بل بتقليص المسافة بينهما حد التوحد، ومن ثم يمكن تعويض عجز الذات ،بالتفاعل والتأثير فى أجساد الآخرين إنه نوع من الخطاب الحسى الذى ينشأ بيننا وبين الآخرين حتى يكون لوجودنا ذلك الثقل المؤثر
ترسل الراوية إلى زوجها الغائب ، تعبيراً عن حالة من التشارك الحسى المأزوم " أريد إخبارك ، الجميع هنا فى الجو والوقت والأعباء سواء " .
والمساواة هنا ليست تلك القيمة الأيدلوجية ذات البعد الاجتماعى السياسى ولكنها واحدة من مسلسل الخدع الصغيرة ، كما لو كانت سجناً يحد الذات لا يسمح لها بالتواصل مع الآخرين . 
" الجيران خيمة لابد من تمزيقها ، البرد قارص هذا الشتاء "
قراءة الشاهدين السابقين تكشفان عن موقع الذات بين الداخل والخارج / بين الجسد والعالم ، بين برودة الجسد ودفء الجيران .
" خنقت رغباتى المتداخلة فيك ، وقفزت بكل مدخراتك عن معرفتى وحبستك داخل أسئلتى ".
الحبس والخنق من محيط دلالى واحد ، والرغبة والمعرفة والأسئلة من محيط دلالى واحد ، وهما معاً يشكلان الإيقاع العام المعبر عن قلق الذات وضيقها وتمردها .
ويبدو العنوان فى قصة ( إن عظامك لن تفنى ) (4 ) على المستوى البلاغى مؤكداً بإن والنفى ، غير أن قراءة النص تطلعنا على مزيد من الخدع الصغيرة فحتى الجسد يستطيع ممارسة هذه الخدع على نفسه ، فالبول المحتبس فى المثانة يهيئ الرجل إلى حالة جنسية وهمية ، تماماً كحمل كاذب .
والمسافة الفاصلة بين الأجساد شاسعة حتى لتسع شيطاناً يرقد ، إن الاحتماء بالجسد وهم آخر وخدعة أخرى ، لكنه آخر ما تبقى لنا ، فالبرودة والتجاهل والعجز الجنسى وصور القهر المختلفة ، تضع الجسد على حافة الموت حتى ليصبح فريسة لشياطين خفية ، ترقد بجوارنا على الأسرة وتمارس علينا قهراً وشذوذاً .
" امرأتى شهية 
وما أنا بقادر 
أفعل
ما أنا بقادر "
ونتيجة لهذا العجز يصبح الملاذ الجسدى مجرد خدعة أخرى ، الجسد يعجز عن ملء فراغ الذات " كل يلوذ بما لا يلاذ به " 
" والجو ملىء بالخرافة والمطر ودخان السجائر "
وتصبح الترنيمة التى تصاحب الموتى فى قبورهم والمقتطعة من كتاب الموتى الفرعونى مجرد خدعة " إن عظامك لن تفنى ولحمك لن يمرض ، وأعضاءك ليست بعيدة عنك " فليس ثمة إلا العجز والخديعة والموت ، إن الاحتفاظ بسلامة الجسد لا يعنى على الإطلاق أنك تحيا لأن الخدع الصغيرة تحاك جيداً حتى لا يمكنك الانتباه إليها ، مما يثير مزيداً من الرعب ، " أشعر بهذا الرعب دائماً ، كأن شيئاً يحدث خلفى ، ورائى ، جوارى " 
كان الرعب دائماً له مصدره الميتافيزيقى ، رعب من الأشياء التى تحدث بعيداً عن الإنسان لكن الرعب فى قصة ( بيتزا) (5) يكون أكثر اقتراباً وبساطة ووضوحاً، تجده فى أنبوبة بوتجاز ست شعل ـ ثلاجة كريازى – تليفزيون NEC شبح – مطبخ قبنورى ، الرعب إذن يحكم ممارستنا اليومية ويشاركنا منازل إقامتنا عندما تتجاوز الأشياء والمقتنيات وجودها الاستكمالى لتؤثر وتفعل فى حركة حياتنا بل تحكمها حتى يستلب وجودنا لصالحها ، ونتضاءل تحت وطأة نمط استهلاكى حتى نتحول نحن ـ أيضاً ـ الى أشياء ، فالزوجة التى غاب زوجها بحثا ًعن مقتنيات كمالية ، ضاعت ملامحه تماماً من ذاكرتها واختزل وجوده فى كومة من الملابس " اتلهف إلى رؤياك ، افتح الدولاب ، انظر إلى ملابسك أحدثها" 
وفى المقابل ، تكاد تتحول الزوجة إلى كائن شبحى لا وجود له ولا يلتفت إلى وجوده ، إن الغياب الجسدى للزوجة يأتى فى مقابل الغياب الجسدى للزوج ، هكذا يكون للأجساد لغتها الخاصة وتواصلها الخاص ، حتى ليؤثر غياب أحدهما فى الآخر " تصور لم يلتفت إلى أحد ولم يقترب منى أحد ". 
وإذا كانت حياة الرجل اختزلت إلى كومة من الملابس، فإن المرأة تحاول أن تؤكد وجودها وتلفت الانتباه بملابسها ، لتصبح هذه الأشياء هى العلامة الدالة على وجودها الحى ، هكذا تندهش حين لا يلتفت أحد إليها ، وكأن غياب الذات يفقد الجسد وجوده الحقيقى ، ليصبح مجرد رمز ، حتى أن كومة من الملابس ، يمكنها أن تمثله . 
" الناس فى الشارع لا يلتفتون نحوى ولا ينظرون إلى الروب الأ ورانج المحلى بالفرو الذى أرسلته إلى " .
" تصور لم يلتفت أحد إلىّ ولم يقترب منى " . 
" ارتدى ملابس أنيقة لكن بمفردى ، جلست مايقرب من ساعتين ولم يقترب منى أحد ، ولم يتطفل ، كأنى لم أوجد ، شعرت بالجوع ..." .
الدلالة هنا تتجاوز معنى جوع البطن إلى جوع الجسد كله ، جسد الزوجة إلى جسد زوجها ، وحيث تفشل أجساد الآخرين فى تعويضها أو فى مجرد الانتباه إلى جسدها ،وهكذا فجسد الزوج ليس مجرد قيمة فيزيقية ، إذ يبدو غياب الزوج غياب للذات ، ومن ثم ، فإن جوع الجسد هو فى حقيقته نزوع إلى الاكتمال ، ويعنى أيضاً إن الذات والجسد ، كل منهما تمثيل للآخر.
يتم التعبير بجوع الجسد للجسد – بصورة أكثر درامية ليكتمل فيها الوعى بلغة القص باعتبارها لغة قادرة على إثارة تداعيات الفعل لا الرمز ، ويتجلى هذا فى قصة ( مانيكان ) (6) التى تصور مواجهة شائكة بين جسد حى حقيقى وجسد من جص ، هو عبارة عن مانيكان متقن الصنع و " وعارياً عرياً فاحشاً " والمانيكان المتقن الصنع على هذه الدرجة، يعود بنا إلى فكرة الخدع الصغيرة / الخدع المتقنة فتبدو أليفة ومخاتلة بصورة لا يمكن مقاومتها ، ومن ناحية أخرى يمكن النظر إلى المانيكان باعتباره صورة الجسد فى وجوده المجرد كمعنى ، هذا الوجود الفيزيقى الذى بلا روح غير أنه قادر على خداعنا والتأثير فى الجسد الحى بكل ما يحتشد به من خبرات وثقافات وتراث هائل من القيم والمعارف والمحرمات لنجد أن الجسد حتى فى صورته المجردة ، له تلك السطوة والوحشية التى تقهر الروح فى سموها وتألهها فبمجرد أن وقعت عين الراوية على جسد المانيكان العارى " تحرك شىء غريب بداخلى ، إنها الرغبة ، التمعن ، الصدق ، الدقة أوضح الأشياء " .
والسؤال هو لماذا وصفت هذه المشاعر الإنسانية بأنها ( شئ غريب ) هل يعنى هذا أن المشاعر الإنسانية قتلت بداخلنا حتى أنها أصبحت تفاجئنا فى الطريق مصادفة فنشعر كم هى غريبة عنا فى مواجهة الألفة المخادعة، هل يشير هذا إلى غياب الذات وتعمق شعور الاغتراب فى مواجهة واقع مزيف كمانيكان لجسد؟
وهل يعادل هذا الجسد المفرغ من الروح بسطوته المادية البحتة فراغ العالم وهيمنة الاشياء ؟ ربما...
أسئلة واحتمالات وتأويلات عديدة يفتح آفاقها هذا النص الثرى، مما يؤكد مرة أخرى أن لغة الفعل الدرامى حتى مع خلوها من التعبيرات البلاغية ذات الإيقاع الصوتى العالى يمكن أن تصنع نصا له العديد من الدلالات والتأويلات .
والإشارات صريحة إلى وضوح الجسد بالمقارنة إلى غياب الذات، فالجسد المتعين هو أوضح الأشياء، وهذا الوضوح هو ما يمنحه قوته وصدقه وربما سطوته الرهيبة فى الثقافات الحديثة ، والذى طالما نظر إليه باعتباره ذلك المادى الحقير، ومكمن الغرائز، وربما فشل البشرية فى تحقيق يقين غيبى هو ما يجعلها تلتفت إلى الواضح / المادى، لنكتشف، إن ما كنا نظنه متاحاً، اكثر غموضاً، وما كنا نظنه أليفا ومبتذلا، أكثر سطوة وقسوة وتأثيراً فى حياتنا .
لقد عاش الإنسان قروناً طويلة فى خدعة اليقين، والواضح كأحد الوجوه فى ثنائية تحكم وعيناعن إمكانية فصل الروح عن الجسد ، 
ويبدو لى، أن هذا الوعى الحاد بخدعة اليقين هو ما يشكل الملمح التثاقفى فى قصص صفاء عبد المنعم ، فقصصها تتميز بعمق ثقافى لافت ، ويبدو هذا مناقضا لمقولات ما بعد الحداثة فى سعيها إلى تفكيك القيم المعرفية والثوابت اليقينية، والالتفات إلى جمايات السطح، أى الاعتداد بما هو مباشر وسطحى . 
نحن بازاء إشكالية معرفية، تحتاج لبحث وتقص حول الكيفية التى تعمل بها آلية الوعى فى هذا النوع من القصص ، التى تستبدل العام بالخاص، والمشاريع الكبرى بالممارسات الصغيرة، حتى يمكن القول إن المبدع المنغمس فى ثقافة ما بعد الحداثة، لا يسعى إلى خلق أسطورة كلية تحاول تفسير العالم بقدر ما يسعى إلى خلق أسطورته الذاتية، والتى تمكنه من قراءة العلامات الخاصة واللصيقة ، وفى سبيل هذا يعيد النظر فى كثير من الثوابت المعرفية، ويبدأ باقرب نقطة من جسده .
لكن هذا الوعى الضجر، المتمسك بالأهداب الايدولوجية، الذى نلمحه شاحباً فى مجموعتها الأولى، يكاد يختفى تماماً فى مجموعتها الثانية(بنات فى بنات) حيث تختفى السردات الكبرى، لتحل بدلاً عنها سردات صغيرة وغير مكتملة، تعكس قلق الذات تجاه بعض معطيات الواقع كالزمن، الموت، اللذة، الجسد .
 
أن تنصت للموسيقى داخلك ..

حوار

أوصت بتضافر جهود الافراد والمؤسسات للنهوض به

صفاء عبد المنعم: أدب الأطفال يمر بمرحلة حرجة
حوار: نجاح شوشة
أضيفت: 1436/03/29 الموافق 2015/01/20 - 05:10 ص 
عدد القراء: 1039
أكدت الكاتبة صفاء عبد المنعم الروائية المتخصصة في الكتابة للطفل أن أدب الأطفال يمر بمرحلة حرجة، وأن الأناشيد والأشعار الموجهة للأطفال اختفت لأسباب كثيرة ومتعددة.
وأوصت الكاتبة بتضافر جهود الافراد والمؤسسات لعمل برامج واكتشاف الموهوبين ووضع الخطط الرامية لإثراء أدب الطفل بجميع أشكاله من أغانى وأناشيد وحكايات مصورة ورسوم متحركة تماما مثلما يحدث في الدول الغربية.
في الوقت ذاته حذرت الكاتبة من قيام بعض القنوات بشراء الأفلام والبرامج الأجنبية الجاهزة، والقيام ببثها كما هي دون اختيار أو تميز ما يناسب بيئتنا العربية أو ما يناسب ديننا، الأمر الذي أدى لانتشار ظاهرة العنف بين الأطفال.
وفيما يلي تفاصيل الحوار الذي أجرته "رسالة المرأة" مع الأديبة والكاتبة صفاء عبد المنعم.
لماذا اختفت الأناشيد والأشعار الموجهة للأطفال
اختفت الأناشيد والأشعار الموجهة للأطفال لأسباب كثيرة ومتعددة ..
أولا: ندرة كُتاب الأطفال، خاصة بعد طغيان الحياة المادية وهجرة الكثير من الشعراء والأدباء إلى العمل بالصحافة من أجل لقمة العيش، فقل الإنتاج الإبداعي.
ثانيا: عدم اهتمام الحكومات فى الفترة الماضية بالتعليم والثقافة واختفاء دور المعلم المثقف والأب المثقف والأم التى تراعى أولادها وتتفرغ لأطفالها.
ثالثا: اختفاء الاحتفاء بالغناء فى الأفراح والميلاد وابتكار واعتبار ترديد الأناشيد عيب أو رجس من عمل الشيطان ، والاهتمام بالجانب الدينى فقط والابتعاد عن الجانب الروحى.
رابعا: ينبغي على الآباء والأمهات الغناء لأولادهم، وحيث أن هذا الأمر عزيز، فقد صُمت آذان الأطفال من الصغر؛ مستسهلين الأغانى الشائعة لدى الكبار، ما أسفر عن انحدار الذوق العام لدى الطفل.
خامسا: عدم إبراز دور المثقف والكاتب والشاعر وأهميته ودوره فى إثراء الفكر الإنسانى  فى وسائل الإعلام، في حين يتم التركيز دائما على لاعبي الكرة وكم يتقاضى في المباراة الواحدة وبكم يباع من نادٍ إلى نادٍ آخر، الأمر الذي صرف همة الطفل إلى أن يصبح لاعبا لا شاعرا مثل أحمد شوقى مثلا .
كيف نجعل الطفل قارئًا في ظل هذا السيل من المغريات والكرتونات
ينبغي أن تكون البداية منذ الصغر ، منذ تكون الجنين فى رحم الأم ، لو تعودت أمه القراءة فسوف يكبر وتحكى له ، ثم تعوده على قراءة الصور .
أتذكر أمى رحمة الله عليها كانت تحضر لنا بعض الصور الصماء وتقول لنا (أحكى من خيالك ما تراه فى الصورة) وهذا قبل تعلم القراءة والكتابة ، المرحلة قبل التعلم المدرسى.
وجدتى رحمة الله عليها كانت كل ليلة تحكى لنا حكاية قبل النوم (الحدوتة) ونجلس حولها ونتخيل المغامرات التى يقوم بها البطل، فهذا يجعل الخيال نشط لدى الطفل فهو يرسم الشخصية كما يحبها ، والتاريخ عندنا ملىء بالأبطال.
فهل فكر فنان أو أديب أن يحول الشخصيات التاريخية إلى أفلام كرتونية شيقة وجميلة يشاهدها الطفل فيعرف تاريخه وحضارته المجيدة ويتعلم اللغة العربية من خلال سماعها بشكل جيد وصحيح  .
وفى المدرسة  وأنا صغيرة ، كان هناك حصة للقراءة تضاف إلى حصص اللغة العربية ، وكنا ندخل إلى المكتبة مع المعلمة منذ الصف الأول الابتدائى، هى تقرأ ونحن نسمع لها ثم تسأل فيما قرأت وتطلب منا أن نحكى لها القصة شفهيا ، ثم بعد ذلك فى السنوات الأكبر كنا ندخل المكتبة ونقرأ القصص ونلخصها ، ونأخذ جائزة قصة مجانا من المعلمة .
ومن الشائع في بعض البلدان الغربية أن يشترك الأب والأم فى قراءة القصص بالمكتبة كى يحكوا لأولادهم، أنا شخصيا عندما كان أطفالي صغار كنت آخذهم إلى معرض الكتاب واشترى لهم القصص الجميلة رغم صغر سنهم ، ثم نجلس فى المساء أنا اقرأ وهم يسمعون ، ليس شرطا أن يكون الطفل كاتبا كى يقرا ولكن الثقافة تفتح العقل وتنشطه ، والحمد لله صار أولادى الآن من المتفوقين دراسيا، أما أنا فأصبحت كاتبة بفضل الحكايات التى كانت تحكيها لى جدتى وأنا طفلة صغيرة لا أعرف القراءة أو الكتابة.
ما هو السن المناسب للطفل ليبدأ مرحلة القراءة؟
منذ الصغر 3 سنوات أو أقل من المرحلة التى يصبح الطفل فيها مدركا لصوت أمه ، هى تحكى له وهو يسمع منها الحكايات ، ثم تطلب منه بعد ذلك أن يحكى لها ، سوف يحكى نفس القصة التى سمعها ولكن بطريق مختلف سوف يضيف ويحذف ويسمى شخصيات بأسماء أخرى ، وبهذا تنمى عنده ملكة الحكى ثم تشترى له القصص كمكافأة على نجاحه فى الدراسة .
من أي عمر يمكننا مخاطبة الطفل عبر القصة المكتوبة؟
يمكن ذلك بداية من المرحلة الابتدائية المتقدمة 8 سنوات لأنه تعلم القراءة والكتابة ، ويستطيع أن يقرأ بمفرده، لكن أسلوب الكتابة من المفترض أن يكون ملائما بطبيعة الحال.
ويراعى في تلك الأعمال سمو القيم والمبادئ والأخلاق بصفة عامة، القيم الصغرى مثل (الخير ، العدل ، الجمال ، حب الآخرين ، مساعدة الغير) للمرحلة من 4 إلى 12 سنة ثم القيم الكبرى (المحرمات التى حرمها الله على الإنسان) من 13 إلى 15 سنة ، ثم التعرف على الأكثر معرفة ( العالم تاريخيا وجغرافيا ، والموسوعات العلمية والخيال العلمى ) من 15 إلى 18 سنة.
ما هي أهم الأمور التي يجب أن يضعها كتاب الأطفال في الحسبان؟
لا يستطيع شخص بمفردة أو مجموعة من الأفراد عمل تغير شامل لمواكبة ما يتم تقديمه للأطفال، ولا بد من تضافر جهود الافراد والمؤسسات لعمل برامج واكتشاف الموهوبين ووضع الخطط الرامية لإثراء أدب الطفل بجميع أشكاله من أغانى وأناشيد وحكايات مصورة ورسوم متحركة تماما مثلما يحدث في الدول الغربية.
في ظل ولع الأطفال بالإنترنت، كيف يصل إليهم الأدباء؟
 أنا بصفة شخصية أحاول الوصول إلى الأطفال على الشبكة من خلال ثلاث صفحات أقوم بإدارتها، و أضع عليها كل ما يخص الطفل من حكايات وألعاب وأغانى وهى: ( توتة لرعاية الأطفال الموهوبين – حدوتة قبل النوم – توتة وبوبو ورشة حكى للأطفال ) وهذا جهد فردى.
وعلى المستوى الواقعى قمت بعمل ورشة لتدريب الأطفال الموهوبين بالاشتراك مع إدارة غرب القاهرة التعليمية وذلك منذ ثلاث سنوات تقريبا وهى مستمرة إلى الآن وكل مرة أذهب غلى مدرسة مختلفة أحكى للأطفال  وأحيانا أستضيف بعض كتاب الأطفال يحكون عن تجربتهم الشخصية وماذا كانوا يفعلون وهم أطفال صغار ومن شجعهم على القراءة منذ الصغر  ومتى تعلموا القراءة ، وكيف أصبحوا كتابا للأطفال ؟ .
وهذا العام قمت بعمل ورشة حكى ( حواديت) للأطفال من خلال عروسة ( دمية ) وطفل ( دمية) يتبادلان الحوار ويحكيان عن بعض المواقف اليومية  ومن خلال ذلك وبطريق غير مباشر يتعلم الطفل الصواب من الخطأ وأحيانا يتحدث مع الدمية ويتحاور معها .
وأتمنى أن ادير مؤسسة ثقافية كبيرة للطفل كى أحقق هذا الحلم قبل أن أترك الدنيا وأرحل، فتعليم الطفل الحكى والقراءة لا يقل أهمية عن تناول الطعام.
ما تقييمكم لقنوات الأطفال التى تستحوذ على عقولهم ومنعهم من حب القراءة
 وجودها فى حد ذاته جميل .
ولكن ماذا تقدم للطفل؟ هذا هو المهم ، فبعض القنوات يقوم بشراء الأفلام والبرامج الأجنبية الجاهزة، وتقوم ببثها كما هي دون اختيار أو تميز لما يناسب بيئتنا العربية أو ما يناسب ديننا، الأمر الذي أدى لانتشار ظاهرة العنف بين الأطفال.
التعليقات

حوار

لتراث الأدبي المصري المعاصر واللهجة العامية المصرية

حكايات الجن والعفاريت ومخيلة صفاء عبد المنعم القصصية

الروائية المصرية صفاء عبد المنعم مغرومة بشخصيات روايتها المعنونة "من حلاوة الروح" والمكتوبة بالعامية المصرية والتي صدرت لأول مرة عام 2000. وتقول إن: "شخصيات روايتها اختارت اللهجة العامية المصرية". لكنها لا ترى أن للعامية ميزة على اللغة العربية الفصحى أو العكس، "ولكن طبيعة كل قصة أو رواية (محتواها وشخوصها) تدفع باتجاه خيار معين تجعله الوسيط الأفضل تعبيرا عن هذه الطبيعة". كما يطلعنا محمد البعلي من القاهرة.
اتخذت صفاء عبد المنعم في أحداث روايتها الأولى "من حلاوة الروح" مجالاً تناوله روائيون مصريون: وهو هامش المدينة وسكانه من الفقراء، ولكنها تستخدم لغة غير معتمَدة لدى كبار كتاب النثر في مصر، وهي اللغة العامية التي يمكن تعداد الكتب القصصية التي صدرت مستخدمة إياها في مصر بأصابع اليدين.
وتقول صفاء عبد المنعم إنها كانت تتطلع منذ بداية طريقها في الكتابة الأدبية لوضع عمل يقترب في روحه من رواية مصطفى مشرفة الشهيرة "قنطرة الذي كفر"، والتي ينظر إليها على نطاق واسع كالرواية الأولى المكتوبة بالعامية المصرية.
سيادة العامية إلا في الكتابة القصصية
ورغم سيادة اللغة العامية في الحديث والحياة اليومية في مصر، بل وحتى في السينما والمسرح والدراما التلفزيونية، إلا أن استخدامها في الكتابة القصصية مازال هامشيا.
لويس عوض. Foto: Wikimedia
كتاب الدكتور لويس عوض (1914 - 1991) غير الروائي "مذكرات طالب بعثة" المكتوب بالعامية هو من الكتب النادرة التي نُشرَت باللهجة العامية المصرية. وكان ذلك في ستينيات القرن العشرين. الروايات القصصية المكتوبة بالعامية المصرية تعد بالأصابع رغم سيادة اللهجة العامية في الكلام والحياة اليومية وفي السينما والمسرح والمسلسلات التلفزيونية والإنتاج الشعري والغنائي المصري المعاصر.
فرغم أن بعض الكتاب الشباب بدأوا ينتجون قصصا قصيرة بالعامية أو ينشرون كتبا أدبية غير روائية مكتوبة بها إلا أن أحدا من كبار الكتاب لم يقم بمثل هذه التجربة.
وحتى في التراث الأدبي المصري المعاصر، قد لا نجد غير رواية مصطفى مشرفة وكتاب الدكتور لويس عوض غير الروائي "مذكرات طالب بعثة"، وكلاهما نشرا في ستينيات القرن العشرين، وإنْ كتبا في وقت أبكر، إضافة لقصص ومجموعات قصصية حققت شهرة أقل.
شعراء العامية وشهرتهم الواسعة
وعلى العكس من ذلك فإن الإنتاج الشعري والغنائي المصري المعاصر يحفل بنماذج كثيرة للكتابة بالعامية بعضها حاز شهرة واسعة إضافة لتحقيقه مستويات فنية راقية في أعماله مثل الشاعرين عبدالرحمن الأبنودي وصلاح جاهين.
وتقول صفاء عبد المنعم إنها تأثرت بشكل خاص بلغة صلاح جاهين الموحية، وتضيف إلى قائمة شعراء العامية الذين يحظون باهتمامها فؤاد حداد وزوجها الراحل مجدي الجابري، والذي يعد أحد المجددين في مجال شعر العامية المصرية في التسعينيات.
وتؤكد صفاء أنها لم تكن تخطط من البداية لكتابة روايتها الأولى "من حلاوة الروح" بالعامية، بل إنها نشرت قبلها مجموعة قصصية بالفصحى، لكن طبيعة الحكاية وشخصياتها أجبراها على هذا الخيار.
وتوضح صفاء أن تسعين في المئة من شخصيات وأحداث روايتها حقيقية، ولذلك كان استخدام العامية -وهي اللغة المستخدمة بالفعل من قبل هذه الشخصيات في الحياة- أكثر قدرة على التعبير عن شخوص الرواية.
تراث العامية القصصي هائل
واستفادت صفاء عبد المنعم أيضا في روايتها من تقنيات تراث العامية القصصي، وخاصة تقنيات الحكي وتقطيع الجمل والإيقاع اللغوي (المعروف في تراث نثر الفصحى بـ"السجع")، كما توضح. كما أنها استخدمت بتوسع بعض مكونات التراث الشعبي للعامية المصرية مثل الحكم والأمثال والمواويل.
ولدى العامية المصرية تراث قصصي هائل، بعضه مازال غير مدون مثل حكايات "النداهة" والجن والعفاريت في الريف، وبعضه مدون مثل "سيرة أبوزيد الهلالي" وقصة "شفيقة ومتولي"، ويتم تداول هذا التراث بالأساس عبر الرواية الشفاهية بما يصاحب ذلك من توسع في استخدام التقنيات اللغوية الصوتية.
وتعتبر صفاء أن حكايات ماقبل النوم التي كانت تسمعها من جدتها أثرت بشكل واضح على تشكيل مخيلتها القصصية.
ويظهر كذلك في روايتها أن تقنيات المونتاج السينمائي و"الفلاش باك" تركت بصمة على تكوين العمل.
وتشير صفاء عبد المنعم إلى أنها استخدمت العامية مجددا في روايتها التي صدرت عام ٢٠٠٨ بعنوان "التي رأت"، وهي رواية مكتوبة بلغة مزدوجة بعض صفحاتها وشخصياتها مكتوبة بالفصحى والبعض الآخر بالعامية.
مظاهرة في ميدان التحرير ضد مبارك. Foto: Foto: Mona Hefni/DW
"ارحل !" باللغة الهيروغليفية: كتبها ثوار ميدان التحرير ضد مبارك. رغم أن لدى العامية المصرية تراثا قصصيا هائلا، إلا أن بعضه مازال غير مدون مثل حكايات الجن والعفاريت في الريف، وبعضه مدون مثل "سيرة أبوزيد الهلالي".
وتقول صفاء إنها شعرت مجددا في رواية "التي رأت" أن بعض الشخصيات اختارت أن تتحدث بالعامية، لذلك استجابت لهم.
ولا ترى صفاء عبد المنعم للغة العربية الفصحى ميزة على العامية أو العكس، ولكن طبيعة كل قصة أو رواية (محتواها وشخوصها) تدفع باتجاه خيار معين تجعله الوسيط الأفضل تعبيرا عن هذه الطبيعة.
الجيل الجديد ولافتات بالعامية
ولصفاء عبد المنعم ثماني كتب مطبوعة أغلبها بالعربية الفصحى، وتعمل حاليا على مشروع جديد بالعامية يتضمن توثيقا لحكايات وذكريات "القابلات"، واختارت له اسم "داية وماشطة".
وتتوقع الروائية المصرية أن يكون للجيل الجديد من الكتاب إسهاما في الكتابة بالعامية أكبر من جيلها، وتشير إلى دور الوسائط الإلكترونية من المدونات والفيس بوك في إتاحة الفرصة للشباب لأن يكتبوا باللغة التي يفكرون بها.
وتشير إلى عملين نثريين حديثين هما "حواديث عيل موكوس" لـ "ماهر داوود" و"وجع الأغاني" لـ"سهى زكي" على أنهما نموذج لهذه الكتابة الجديدة المستفيدة من لغة الحياة ووسائط التواصل الإلكتروني، وإن كان العملان يصنفان في خانة الكتابة النثرية غير القصصية.
كما ترى صفاء أن شعارات ثورة يناير وخاصة لافتات ميدان التحرير حالة إبداعية خاصة في استخدام اللغة العامية، وإنها تشير إلى قوة إبداعية كامنة لدى الشباب تجد متنفسها في العامية المصرية.
وتعتقد الروائية المصرية صفاء عبد المنعم أن مشكلة الأمية في مصر سوف تنتهي إذا أصبح النظام التعليمي والكتابة الرسمي في البلاد معتمدا على اللغة التي يتحدثها الناس بالفعل في مصر، وهي العامية بدلا من اعتماده على العربية الفصحى.

 محمد البعلي
حق

حوار

كاتبة صفاء عبد المنعم: المرأة كانت لها درو شجاع في الثورة المصرية
الثلاثاء 25/3/2014 الساعة 7:48 مساء
كتب ـ محمد فودة
قالت الكاتبه و القاصه د صفاء عبد المنعم، في الجلسة التي عقد بعنوان' الذات والثورة ' ان المرأه المصرية قد  أبدعت في الثورة وشاركت فيها بشكل ايجابي ولم تخشي اي شيئ في ذلك الوقت وعبرت عن حالة المرأه في الثورة 'بفؤادة وهي تفتح الهويس' من فيلم الخوف والتي تجرأت فيها وذهبت و بكل شجاعة و مدت يدها علي الهويس و فتحتة وتابعت هذا ما حدث بالفعل في ثورة يناير 2011 من نساء مصر وبناتها سواء كانت ناشطة ساسية أو امرأه عادية خرجت مع الجموع ضد الظلم والقهر و الطغيان.
وأشارت الي قصة تعكس فيها شجاعة المرأة المصرية عندما وقفن في وجه الحملة الفرنسية التي حاولت فيها مجموعة من الجنود الوصول الي قريه 'غمرين 'بالمنوفية مما ذهل قائدها غندما رأي النسوة في أهل القرية يشاركن في المقاومة.
جاء ذلك في خلال المؤتمر الذي افتتح اليوم لـ تجليات الذات الثورية بهيئة قصور الثقافة والتي تناولت فية االكاتبة ثلاث روايات وهي لقاء مع عم مكرم للكاتبة نور الهدي، و الخروج الي النهار للكاتبة نجلاء علام، اوقات للحزن والفرح للكاتبة ابتهال سالم، وأهدت جميع الاعمال الي امهات الشهداء خاصة الي روح الشهيدة سالي زهران

مؤتمر الرواية

صفاء عبد المنعم «سيدة الحكايات» والكتابة الرومانسية

2015-03-15 23:23:17
7
9
كتبت - شيماء فؤاد
تحدثت الكاتبة صفاء عبد المنعم عن غرامها بالكتابة منذ الصغر ، حين كانت تستمع لحكايات جدتها التى أعدتها ملهمتها الأولى عن أمنا الغولة و الشاطر حسن وست الحسن و الجمال ، و هى من شجعتها على الإمساك بالقلم  لترسم الحكايات  ، و كانت تلقى الشعر فى الإذاعة المدرسية ، و كانت تساعد الأحبة المقهورين من صديقاتها فى المرحلة الثانوية بجوابات الحب  ، هكذا بدأت حكاية غرامها بالكتابة و البحث عن كل ما هو جديد و مختلف .
و أضافت صفاء فى شهادتها الروائية بملتقى الرواية فى الأوبرا  ، أنها كانت مغرمة على وجه التحديد بالجذور التاريخية للهوية المصرية ، و مع الوقت أصبحت علاقتها بالكتابة غير مستقرة  ، و اتجهت للقراءة فى السياسة  لفهم ما يحدث من حولها .
واحتدم الصراع بداخل المبدعة بين الإبداع و السياسة ، و لكن انتصرت الكتابة ، لتخرج مجموعتها الأولى  ” تلك القرى تغرينى بسيقانها العارية ” عام 1990 ، قائلة عنها : انها كتابة الجسد و القلب الرومانتيكى تبحث عن الذات الضائعة فى حوارى العاصمة و مقاهيها .
و قالت الكاتبة أنها تتهم نفسها دوما بالتسرع  ، فتكتب و كأن الشخصيات تقف أعلى رأسها صارخة ” نريد الخروج ” ، فتملى عليها ما يحلو من أزمات و حكايات ، فكانت رواية ” من حلاوة الروح ” ، أما عن كتابتها بالعامية فتقول أن مخططات اللغة لم تكن فى بالها ، فكل ما يشغلها التخلص من إلحاح الذاكرة  .
و تابعت قائلة : الحكى هو الوسلية الوحيدة لإنقاذى من كل الحروب الرومانتيكية مع الذات  ، فكانت روايتى ” التى رأت ” ، و رواية ” فى الليل لما خلى ” فتخلصت فيهما من جزء كبير من المشاعر الضاغطة و المعطلة للنفس  ، مضيفة  :  ” كنت أحب المعارك و الغزوات التى أدخلها مع نفسى ، و التى تعزلنى أحيانا عن الناس ، و تسبب لى اكتئابا موسميا فى الشتاء “.
و لحلمها بكتابة عملا مختلفا و ثوريا عما قدمته ، فكانت ” ريح السموم ” و التى تدق ناقوس الخطر  من العدو الضمنى الذى قد يكون أمامك أو بجوارك أو حتى شريكك فى البيت .
و ذكرت صفاء عبد المنعم  أن الكتابة جعلتها تشعر أنها ” سيدة الحكايات ”  ، قائلة : أكتب لأننى أحب الكتابة و الللعب بالكلمات على الصفحات البيضاء ، مشيرة أن المكان بالنسبة لها بطل و شخصية محورية أيضا  ، مؤكدة أنه من الصعب أن يكتب المبدع كما يعيش ، و لكنه يعيش كما يكتب  ، فليس لدى رسالة جاهزة أريد إيصالها إلى العالم  ، و لكنى أعيش داخل الفوضى كى أصل إلى الرسالة المكتشفة عبر الكتابة  .
و ختمت الكاتبة شهادتها قائلة لا أبحث عن الأضواء أو الجوائز أو الترجمة أو غيرها  ، و لا التفت كثيرا للجدل المثار حول أعمالى ، فأنا اكتب لأحيا .
و قالت صفاء أن الكتابة لم تأخذها من عملها كمديرة مدرسة للأطفال التى تحبهم كثيرا  ، و إقامتها ورش للموهوبين و الحكى ، محاولة إعادة مجد جدتها الحكاءة القديمة شهرزاد .
20150315_231918_4206

نقد اشتباك التاريخي والأسطوري والفلسفي في رواية امرأة الريح د. هويدا صالح صارت ظاهرة التناص مدخلا مهما لقراءة النصوص الروائية الحد...