الأربعاء، 12 أغسطس 2015

دراسة

ياليل يا عين!
صفاء عبد المنعم
عطر الأحباب
هكذا غنى يحيى حقي أغانيه الجميلة.. وعندما يضيق بي الحال نفسيا، أذهب إليه.. أتنفس في رحابه فتعود نفسي ممتلئة على أخرها.
عرفت يحيى حقي في أوائل الثمانينيات عندما كنت أخطو أولى خطواتي الأدبية..
قرأته كاملا وعرفته عن قرب، زاد شغفي به وولعي بأسلوبه، فتعلمت منه (اختيار اللفظ).. كلمة واحدة فقط تؤدي المعنى ذاته، وليس بديلا عنها أي كلمة أخرى، فأبعدني عن الترهل والثرثرة والحشو. فبعدت عن الطريقة التي يلجأ إليها بعض الكتاب من فقر في الروح أو جدب في الفكر بالثرثرة والتكرار.
وأحببت عنده التقاطه من (اللعبة الشعبية) كلمات وتراكيب بذوق وحس مرهف.
تعلمت هذه الخاصية وتوالت كتاباتي مانحة إياي شرف هذا الالتقاط، فتأتي الكلمات في سياقها مشحونة بطاقة حب ومحملة بإيحاءات من تراث الشعب وروحه وخبراته (لقد عشقت هذه الشعب) لا تحل مكانها كلمات فصيحة مهما حاولت، فهي تعطى مدلولا آخر ومعنى آخر وسياقات أخرى.
ولكن هذه الكلمات (الآتية من ذاكرة الشعب ومحملة بروحه) لا بديل عن مذاقها اللاذع، ورائحتها المحملة بخبرات السنين الطويلة.
فالمصري مولع بالغناء مرهف الحس، شجي.. حياته سلسلة من الحب والغناء والعاطفة الجياشة وهذه الكلمات لها عطرها الخاص.. فهو كاتب يستطيع أن يجعل البساط أحمدي، ويتبسط مع القارئ، وهذه البساطة لا تأتي إلا بمعرفة وثيقة بالناس ومخالطة بهم، خاصة البسطاء منهم، وأنا أشبه أستاذي في ذلك، فعملي كمدرسة في بيئة شعبية (مثل المطربة) فتحت أمامي مغاليق وروح هذا الشعب من موال وتراث، وأفكار.. أستاذي الجليل صاحب الدقة والضبط والتحديد وانطباق الكملة والمعنى مثل انطباق الجسد والروح.
ـ الملاحظة..
تدع الفنان يدخل إلى عالم القص المتوهج بالحياة، والقادر على تجسيد الشخصية والحدث.
ـ صمت الكاتب.
لايقل عن إفصاحه، قدرته على البوح.
ـ أن يكون الكاتب شاهدا أمينا على عصره.
يصف ويحلل ما حدث..
(صح النوم) عندما طرد يحيى حقي من (المجلة) عام 70.
وعرضت عليه الجامعة الأمريكية طبع الأعمال الكاملة عام 71.
أدرك بشاعة ما سيحدث بعد ذلك، وزحف التخلف العقلي.. وتم إغلاق 7 مجلات ثقافية، ورفض العرض الأمريكي وتوجه إلى هيئة الكتاب لطبع أعماله، ورغم قلة العرض مقارنة بالآخر قبل الفتات، مقابل رفض التكالب على المال، ونجح بدبلوماسية في ترسيخ تقليد جميل هو.
ـ إصدار الأعمال الكاملة من هيئة الكتاب.
ـ وتوفر أعماله في أيدي القراء وانتشارها.
(البوسطجي)
في اليوم التالي لوفاته، مع نشر نعيه، طلب ممن يقرأ نعيه، أن يقرأ له الفاتحة، وطلب من أهله سرعة دفنه، وأوصى ألا يقيم له أهله سرادق عزاء.
فاتحة أخيرة على روح أستاذي الجليل يحيى حقي.
(من باب العشم).
أخبار الأدب

25 أبريل 2004

دراسة

ناصية
حلاوة هذه الروح
أحمد الخميسي
لصفاء عبد المنعم أربع مجموعات قصصية، ورواية أولى  هي "من حلاوة الروح" صدرت عام 2001 ورواية ثانية جديدة صدرت هذا العام عن مكتبة الأسرة هي : "ريح السموم" علاوة على ذلك فإن هناك ثلاثة أعمال أخرى في طريقها للنشر عما قريب. وهكذا فإننا  أمام كاتبة شابة نسبيا لديها نحو تسعة أعمال أدبية وهو معدل أكثر مما هو مألوف لمثل هذه السن، وربما يكون الدافع إلى ذلك الإنتاج الوفير حرص الكاتبة على الاستمرار وإخلاصها لقضية الأدب،  أو أن هناك درجة من التعجل عند صفاء عبد المنعم في صياغة تجربتها. وأذكر بهذا الصدد أن كاتبا كبيرا كان يكتب وينشر في مطلع حياته كثيرا، إلى أن بعث إليه أحد الأصدقاء برسالة قال له فيها: "لا تبدد مبكرا كل ما لديك من مخزون". هناك موضوعات تستحق من الكاتب أن ينتظر ليس فقط إلى أن تختمر هذه الموضوعات، ولكن إلى أن تختمر نظرته إلى الكتابة، فلا يهدرها. القضية الرئيسية في اعتقادي عند تناول كاتب ما هو السؤال عن جديته، وعمقه، عن نظرته الخاصة، وعن علاقته الوثيقة بالتعبير عن عدمها. من هذه الزاوية فإن صفاء عبد المنعم موهبة كبيرة وحقيقية ولا يختلط رنين صوتها بأي صوت آخر. ويكفي للقارئ أن يطالع مجموعتها القصصية المسماة "بنات في بنات" (هيئة الكتاب) ليتأكد من ذلك، ولكن الانتقال من تلك المجموعة القصصية إلى رواية "من حلاوة الروح"  ثم إلى الرواية الأخيرة "ريح السموم" يضيف إلى صورة صفاء عبد المنعم بعدا آخر غير جديتها وعلاقتها الوثيقة بالتعبير الأدبي، ذلك أن قراءة تلك الأعمال الثلاثة معا تكشف بوضوح عن تجربة متعددة الأصوات تتحرك من مجال إلى مجال، ومن عالم نفسي واجتماعي وفني، إلى آخر. صفاء عبد المنعم في كل ذلك هي صفاء عبد المنعم. لكن حيرتها تنتقل وتتحرك وتفتش عن نفسها، انظر "بنات في بنات" لترى عالم المرأة إذا جاز القول. ثم انظر بعد ذلك مباشرة إلى "حلاوة الروح" لترى الكاتبة وهي تقتحم العالم الموضوعي بالبحث عن سيرة عدة عائلات يقتلها الفقر في حي عشوائي. والآن اقرأ "ريح السموم" لترى كيف تبحث الكاتبة في موضوع مختلف تماما ينتسب حسب التوصيف القديم إلى باب العلاقة بين الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية، أو ينتسب إلى عذاب البشر بين عالمين ومجتمعين. ويتضح هذا التردد الفني والفكري الخصب أيضا على مستوى الطرق الفنية والتعامل مع اللغة، فقد كتبت "من حلاوة الروح" كاملة بالعامية، وبدت فيها  الشخصيات كأنها تقف على منصة مسرح أقرب إلى الكورس القديم. في "ريح السموم" تلجأ صفاء عبد المنعم لوسيلة معروفة هي عرض الحدث من وجهة نظر عدة شخصيات لا تكتب  صفاء عبد المنعم موضوعا واحدا  تتبدل صياغاته. ويبدو لي هذا التجدد، والتجريب، أقرب إلى التأمل بالممارسة في شئون الحياة والكتابة معا، وهو تأمل قد يلوح مضطربا في بعض الأحيان، لكن هل هناك كاتب حقيقي يخلو من هذا الاضطراب الخصب الذي  يشبه حركة ألسنة اللهب في اتجاهات مختلفة؟ لا تحاول صفاء أن تخفي كل هذه الحيرة. بل إنها على العكس من ذلك تعلن دهشتها من "أولئك المستقرين الذين يتكلمون وهم في وضع ثابت وآمن وبثقة، كأن العالم استقر واتضح أمامهم". وفي روايتها "ريح السموم" تقول صفاء على لسان إحدى شخصياتها "عليك أن تخطئ قدر ما تستطيع" هكذا تجرب صفاء قدر ما تستطيع لكنها تجرب على مستوى الرؤية والوسائل والمادة بأصابع كاتبة حقا. وقد يكون السؤال الذي  يعذب صفاء عبد المنعم، وليس ثمة كاتب أصيل من غير ذلك هو: أي عالم نعيشه؟ وكيف يمكن أن نراه؟ وما الذي  ينبغي لي أن أفعله تجاه هذا العالم؟.
في روايتها الأخيرة "ريح السموم" ترفض صفاء عبد المنعم أن تسكن "خانة ثابتة من الاطمئنان والخشوع والوهم" ولذلك تطرح قضية الشك في التقاليد والمعتقدات والمجتمعات وتعلي على كل ذلك الحب.. هناك حكاية وديع المسيحي الذي  أحب فاطمة وهما صغيران، ثم كتب في غرامها قصيدة وحيدة تركها أمانة لدى مروة العبد، وهاجر إلى الخارج. هناك مصير فاطمة التي أجبرها أخوها على الهجرة معه إلى الخليج والزواج من شيخ عربي كان أخوها يعمل عنده. هناك قبل ذلك قصة العمة عاليا التي تزوجت فرنسيا وهاجرت معه إلى باريس، وأنجبت منه سليمان، ثم عادت إلى مصر. هناك مصير مروة العبد ذاتها التي عاشت في باريس وعادت إلى القاهرة ثم قررت أن ترجع إلى وطنها. إن صفاء تجرب  ليس فقط على مستوى المادة وطرق الكتابة والرؤية بل وعلى مستوى الشخصيات حين تعرضهم للهجرة، واحدا بعد الآخر، من هناك إلى هنا وبالعكس، لتنظر إليهم وتسأل نفسها: والآن أين هو الصواب في كل ذلك؟ تسعى صفاء عبد المنعم بالكتابة إلى معرفة العالم، واتخاذ موقف منه. ولديها أن ما تكتبه سيحدد موقفها من كل شيء. وليس العكس ومن المؤكد على أية حال أننا أمام صوت أصيل يبحث بحرارة عن طبقة الصوت الأجمل عند إنشاده هذه النغمة أو تلك
أخبار الأدب
25/1/2004


دراسة

بنات في  بنات!
بقلم: بهيج إسماعيل
 *"كل مرة يمحون فيها شخصي كنت أختفي من الوجود. وحيدة ومن عيني تسيل دموع. كنت أمشي وراء تابوتي. كنت أربط عقدة في  منديلي ولكنني كنت أنسى أن هذه لم تكن موتتي الأولى فأبدأ الغناء من جديد".
هكذا تبدأ "صفاء عبد المنعم" مجموعتها القصصية بتلك الأغنية من الأرجنتين.. ولابد أن بتلك الأغنية قد وافقت هوى في  نفس الكاتبة.. أو أنها رأت فيها شيئا منها.. والحقيقة أن تلك الكلمات تكاد تعبر عن إنسان العصر بوجه عام.. ذلك المحيط اليومي المحكوم عليه بالحياة..
"ماذا أفعل بكل هذه اللهفة والخوف ماذا أفعل وأنا أقترب من الأربعين برجل يلعب معي في  أوقاتي الضائعة؟
ماذا أفعل وأنا لا أستطيع أن أخبر أمي بأنني صرت قديمة؟
قديمة مثل البيت، والباب، وضلفة الدولاب، مثل كنوزي التي  أجمعها من الأسواق، مثل الحروب التي  انتهت.
ماذا أفعل وأنا بكامل ثيابي أنام منفردة، ويأتي الصباح، ويأتي المساء، وورائي أم وحيدة تبكي؟ ماذا أفعل بكل هذا الشتاء في  ديسمبر؟
بالأمس ـ ولأول مرة في  حياتي ـ صبغت شعري أخذت الصبغة ودهنت بها رأسي، فضحكت بحرارة وداعبتني
ـ والله وشعرك أبيَّض يا وزة!
أكملت مداعبتها:
يالله بقى حسن الختام
ـ ماذا يكون نصيب امرأتين في  الحياة تقتسمان زجاجة الصبغة؟ الأولى تكبر وتشيخ وترفض الموت.. والثانية تضع زجاجة الصبغة على شعرها، وتزجج حاجبيها، ولا تزيل شعر الساقين؟!
ماذا يكون نصيب امرأتين في  الحياة التي  أغلقت عليهما الباب وتركتهما؟"
بقدر ما تلوح لنا "صفاء عبد المنعم" في  تلك المجموعة جريئة في اقتحامها للغة وللأبواب السرية بقدر ما تتبدى لنا لمساتها لتلك الدموع الحبيسة في  القلوب وحيدة تئن في  العميق، لكنها قليلا ما تبين "ستفسد روحها حتما، طالما هواء الحجرة لا يتجدد، وطالما تعبئ صدرها بالإعلانات".
" في الصباح أحسست أني أريد أن أندس وسط الناس والزحمة.. ذهبت إلى وكالة البلح وظللت أسير وسط المحلات، وطوابير الناس، أستدفئ بصمتهم، أخرج من شارع إلى شارع، إلى أن ذهبت إلى ميدان العتبة، دخلت من عبد الخالق ثروت إلى طلعت حرب إلى ميدان التحرير إلى كوبري قصر النيل، ظللت سائرة إلى أن تعبت، رأيت البرج أمامى، صعدت لأشرب شايا، طلبت قهوة، وجلست أنتظر أحدا".
*الشتاءات كثيرة في  عناوين القصص.. شتاء.. وشتاء آخر ثم شتاءات عدة حتى قصتها الأخيرة امرأة من ديسمبر يقبع داخلها الشتاء أيضا.. إنه الإحساس العميق ببرد الحكاية النابع من برد الوحدة.. أو على الأدق الإحساس بالوحدة.. والحقيقة أن هذه الإحساس نابع بالتراكم من إحساسها المرهف بأحزان كل من حولها.. كأنما هى مسئولة عن كل ما يحدث.. لأهلها ولمجتمعها ولكل المستضعفين حولها:
"الحياة الآن هي أولى أن تعاش أم هي محاولات أخرى للحكي، ونريد أن نحياها، أو نقبض عليها كاملة؟ أعرفك أن "عمر نجم" مات نتيجة أزمة قلبية مع أنى رأيته يوم الثلاثاء في  الأتيليه وكان يضحك.. كما مات "أنور كامل".. مات في  صمت المحبين الهادئ دون إزعاج كما مات "خالد عبد المنعم" في  وداعة وحب..
رأيته قبل موته بثلاثة أيام كان يحمل "هاميس" ابنه "مجدى الجابرى" يقبلها.."
إنه الموت المفاجئ، المتلاحق، الذي يداهم فى غفلة غير عابئ بالعمر أو التوقيت أو المنطق "خلاص.. هسلم لقوة منطق الحياة.. ومش هاروح الشغل!"
إنها تكتب عن صديقتها "أروى صالح" التي  أخذت الحياة وقفزت بها من حالق إلى أسفلت الشارع لتكتب بنفسها كلمة النهاية.
*قد تكون مجموعة "بنات في  بنات" حاملة لجرعة كبيرة من الشجن والأسى.. رغم العنوان.. إلا إنها تحمل أيضا قوة الإرادة التي  تحاول التشبث بالحياة ـ فذلك هو بالتحديد قدر الإنسان وهو أيضا سر عظمته ونبالته فإن كان الوعي كفيلا بأن يورثنا الحزن والإحباط فإن "الوعي الحاد" كفيل بدوره أن يجعلنها ندير "الدولاب" إلى الناحية الأخرى حيث يختبئ الانتصار.. أو كما تقول الأغنية.. "فهذه لم تكن موتتي الأولى لذلك.. سأبدأ الغناء من جديد"
الأهرام المسائي

الأحد:8 /4/2001

نقد اشتباك التاريخي والأسطوري والفلسفي في رواية امرأة الريح د. هويدا صالح صارت ظاهرة التناص مدخلا مهما لقراءة النصوص الروائية الحد...