السبت، 21 فبراير 2015

شهادة أدبية

شهادة / صفاء عبد المنعم

القصة القصيرة
عشقى الأول

البدايات :

كانت البداية عام 1983 عندما كتبت أول قصة ( يوم عاصف ) نشرت ضمن مجموعة
( حكايات الليل 1984 ) ربما يكون حظى مدهشاً وغريباً فى نفس الوقت .
 فى عام 1982 حصل ماركيز على جائزة نوبل وصدرت الأعمال الكاملة للكاتب الراحل يحيى الطاهر عبد الله ؛ ولأول مرة  أمتلك مال خاص بى وغرفة خاصة بى أيضاً حيث أصبحت موظفة فى الدولة تملك راتباً شهرياً وحجرة صغيرة بعيدة عن أخوتى ، غرفة مستقلة ؛ هذا حدث لى وعرفت قيمته قبل أن أقرأ كتاب ( غرفة تخص المرء وحده ) لفرجينا وولف ترجمة   د. سمية رمضان .
 لقد خضت التجربة بشكل حقيقى قبل أن أقرأ تجارب الآخرين وأسعدنى الحظ ثانية عندما ذهبت إلى مكتبة مركز شباب المنشية الجديدة بشبرا كى أستعير منها الكتب لقراءتها ؛ وهناك تعرفت على مجموعة صغيرة من رواد المكتبة وبدأنا فى عمل ندوة أسبوعية لكل يوم ثلاثاء وأتسعت الندوة  بشكل كبير وملحوظ  ؛ وهناك تم طرح إسم ماركيز ، تشيكوف ، الأدب الروسى ، الأدب الفرنسى والأدب المصرى ، ويحيى الطاهر ويوسف إدريس وآخرين .

مناطق الدهشة الأولى :
أول قصة قرأتها وأدهشتنى حتى البكاء قصة موت موظف لتشيكوف ؛ وكذلك قصة المسخ لكافكا ؛ ثم قصة جبل الشاى الأخضر ليحيى الطاهر عبد الله ؛ وزادت المعجزة الإلهية عندما قرأت عينا الكلب الأزرق ، وأجمل رجل غريق فى العالم ... ثم توالت الدرر وعرفت جوركى ويوسف إدريس .
لقد وقعت على حقل ألغام وكان التحدى أن أنجو بسلام من فوق الطريق الوعر  .
 ثم عرفت بعد ذلك طريق الندوات ، نادى القصة ، ندوة المساء ، قصر الثقافة ، الغورى ثم الأتيليه .

التطور الإبداعى :
نهلت من النهر المتدفق وشربت حتى أرتويت مثل الظامئ أو نقول مثل الأرض الرملية التى شربت حتى أثمرت .
وصدرت مجموعة ( تلك القاهرة تغرينى بسيقانها العارية 1990 ) وتعتبر أول مجموعة صادحة فى حينها حينما تبنت فكرة ( كتابة الجسد ) كنت لحظتها أرى أن ( جسدى ) كأنثى فى مجتمع شرقى من الطبقة الوسطى مر بمراحل رهيبة من طقوس العبور
 ( بداية من الختان  وأنتهاءاً بفض غشاء البكارة ) والصادم لى لحظتها حين تكشف لى هذا الوعى أن الذى مارس كل هذا القهر علىَ هى الأنثى ( جدتى ) لقد توفيت وعمرى عشرون عاماً وكنت البنت الوحيدة فى بيئة ذكورية مكونة من أربع أشقاء ذكور و أب ؛ ولكن لا توجد عندى عقدة تجاه الرجل المسيطر الأب السلوطى ولكن تكونت مجموعة من الطقوس والعادات والتقاليد التى توارثها المجتمع المصرى من نظرة متدنية عن المرأة ؛ وحملت هذه الآليات القاهرة لجسدها وعقلها ونفسها .
( فالمرأة هى حاملة آليات قهرها ) خاصة لو كانت آتية من المجتمع الريفى بجذوره الممتدة منذ العصر الفرعونى وإلى الآن فمرت عليها ثقافات ناصفة ورافعة من شأنها
مثل : ( الثقافة الفرعونية ) وثقافات قاهرة ومذلة وخاصة ما توالى بعد ذلك من حقب ودول وفترات تاريخية محبطة مثل العصر المملوكى والعثمانى وما بعدهما .
ولكن عندما نهض الوعى وقررت القراءة الثقافية عن أسباب هذا القهر وآلياته خاصة عند الجماعة الشعبية وما تحمله من أمثال ومواويل وأشعار وقصص وحكايات .
ورأيت ما تشيب له الأبدان ، وأن جميع المدافعين عن النسوية والمرأة لابد لهما من قراءة هذا التراث قراءة جيدة كى يفهمون طبيعة هذا الشعب وسيكلوجيته ولكى تغير أبدأ بالمرأة نفسها أولاً ؛ فلا القهر الذكورى هو السبب ولا الشعور بالروثية فقط .
ولكن هناك قهر المؤسسات للرجل والمرأة وهناك ثقافات يتم تبنى آراءها دون مناقشة خاصة ( الثقافة الوهابية ) المسيطرة الآن وثقافة النفط فالإستعمار الخارجى لعب دوراً هاماً فى الهيمنة والإعلاء من ثقافته هو لصالح وجوده والآن رأس المال النفطى مع رأس مال الأطراف يلعب دوراً تراجعياً فى نظرة المجتمع للمرأة ونظرة المرأة لنفسها .

ماذا قدمت القصة ؟
السؤال له محورين ماذا قدمت القصة لى ؟ وماذا قدمت أنا للقصة ؟
قدمت القصة لى عالم واسع من الخيال الجميل والواقع المرير والتجارب الشخصية الهائلة والأرث الثقافى المبهر منذ محمد ومحمود تيمور إلى الآن .
أول أقول صراحة منذ حكايات قبل النوم وإلى آخر قصة كتبها أديب شاب الآن .

ماذا قدمت أنا للقصة ؟
دون غرور قدمت الكثير فعندما أقرأ أول قصة كتبتها عام 1983 وآخر قصة كتبتها أمس أرى بعين المبدع المحايد فرقاً شاسعاً من حيث اللغة ـ البناء ـ الرأى ـ الثقافة ـ الرؤية ـ أنا أكتب القصة مثل لسعة النحل سريعة وخفيفة وقصيرة ولكن بها كم هائل من الرؤى الفلسفية .

 المبدع الفيلسوف :
هل يحق لى أن أقول أنى صاحبة فلسفة خاصة صنعتها على مهل وفى عزلة تامة وعلى حده ؛ فلسفة شربت من ثقافة الجسد وثقافة الحياة اليومية ( الشعبية ) والثقافة الورقية والتاريخ والحب والموت والوحدة .

مجموعة بنات فى بنات :
المؤشر الحقيقى والصادق لصدمة إكتشاف الموت وما يتركه من أثر فى النفس سواء بالسلب أو بالإيجاب .
لقد حولت هزائمى إلى إنتصارات ( 8 مجموعات نشر منها 4 ) ( و4 روايات نشر منها 2 )

من لم يكتب القصة القصيرة لم يكتب فى حياته :
هذه الجملة حقيقية من وجهة نظرى الخاصة .

زمن الرواية :
فى الفترة الأخيرة روج لمقولة زمن الرواية فتهافت المصارعون وتخلى بعض الشعراء عن شعرهم وكتبوا ونالوا الجوائز وروجع لإبداعهم وما قيل عن جيل التسعينات من كتابة الجسد ، وما تبنته مجلة الجراد من دعاوى وتجارب ، ذهب كل هذا إلى جعل بعض الكتاب يستعجلون العمل ويدلو كل منهم بدلوه فظهرت كتابات غريبة وروايات أغرب من حيث المساحة والتقنية والإستسهال ؛ وأعتقد البعض أن كتابة الجسد هى
( الأفخاذ والأوراك والوصول إلى الأورجازم ) .

دور النقد والناقد وتطور الإبداع :
عندما قرأت النقد والمدارس النقدية الغربية لاحظت أنه يتم التنظير للكتابة ويتكالف جميع الفنانين ( تشكيلى ، موسيقى ، أدب ، باليه ، مرح ) فى النهوض بالفن .
 على سبيل المثال المدرسة التأثيرية أو الرومانسية وغيرها حتى مدرسة فرانكفورت والتشكيلين الروس أو مدرسة الجاشتالت كانت تنظر للإبداع وتحلل الأعمال السابقة وتنقدها نقداً لكى تقوم آراء جديدة .
 ولكن عندنا للأسف تم الترويج لمقولات جاهزة وتم الترويج لكتابة ما ، وكتاب ما لصالح ثقافة ( النيوريتشل ) من ترجمة وجوائز وسفر و..... لصالح أو على حساب كتابة أخرى لم تدخل الحظيرة المؤسسية ولكنها ظلت على الهامش فتم تهميش كتاب وثقافة أخرى بديلة صنعت فى الظل .

حركة الإبداع :
يتم الآن وذلك عن طريق ظهور ( مكاتب تسويق الكتاب ) إلى كتابة ربما تفرز فى المستقبل حركة نقد أو حركة إبداع ونحن ننتظر ونساهم فى ذلك .

دور النت وتقدم القصة القصيرة :
منذ زمن بعيد وقيل أن القصة هى التى تقرأ فى جلسة واحدة والآن النت يلعب هذا الدور فكلما كانت القصة قصيرة جداً ومعبرة جداً وبلغة مكثفة جداً كلما حازت على نسبة عالية من القراءة ؛ فمثلاً النص يكتب الآن بعد لحظات نرى العديد من الشخصيات بدأت فى قراءته والتعليق عليه سواء مجاملة أو نقد مباشر ( إنطباعى ) مكثف ولكن بعين لاقطة وسرعة بديهة فرقعة القراء المجهولين كبيرة ومتنوعة ومن جميع بقاع الأرض تصلك الردود والمحاذير ( أجمل تعليق قرأته لقصصى ، والله العظيم عندنا حد بيكتب قصص بجد وبحق وحقيق ) و هذا كان من شاب وفتاة بخلاف القراء المختلفين .
ولكن مازال دور الناقد الحقيقى والذى يلعب أدواراً أخرى غير النقد مازال غائباً .

النت والإنتشار :
مثلاً هناك مليون وكام ألف زائر على موقع من المواقع وخلافه فمثلاً فى خلال شهر سوف يدخل لا يقل عن مائة شخص يقرأون العمل مهما كان .

التعديل فى العمل :
أحياناً أأخذ ببعض الآراء حتى ولو كانت بسيطة وهناك كتابات مشتركة بين المبدعين شخص يبدأ النص وآخر يكمل وهكذا ؛ وهذه التجربة أقوم بها الآن ..
على سبيل المثال نص السلحفاة والفراشة ساهم فى كتابته العديد من الأصدقاء والكتاب والشعراء من مصر وبعض الدول العربية وسوف أقوم بطباعته قريباً حتى نرى ونناقش هذه التجربة الإبداعية .




قصة قصيرة

قصة / صفاء عبد المنعم
                                                                                                  ـ  نقوش ـ

تشاغلت عيناى بمتابعة النقش البارز فى اللوحة المعلقة عالياً و طنين الأغانى المتلاحقة يأتى إلىَ من الشارع وصوت الباعة الجائلين من آن لآخر يخرجنى من غفوتى المتشاغلة بالنظر إلى السقف ؛ كانت اللوحة الكبيرة عبارة عن سوق كبير للعامة فى زمن القاهرة القديمة وربما يكون تحديداً فى العصر الفاطمى أو المملوكى .
  إنى لم أحدد بعد هوية اللوحة ؛ فقط تشاغلت بمتابعة الهدوء والسكينة والبضائع المتراصة بشكل ساذج على قارعة الطريق ؛ وقليل من المارة يتوافدون .
 وحدى أشق طرفى الثوب إلى نصفين ؛ تنتابنى حالة من اليأس لم أعتاد عليها ولكننى رأيت ما رأيت " طرفى الثوب تتباعدان ، تتصاعدان ، إلى أعلى أعلى ، ترفان صوب اللوحة ، صوب الفارس ، صوب الشارع " كل ما تخيلته هو أننى أجول فى اللوحة مزهوة .
 زوجان من الأحصنة المجنحة ترتديان شقى الثوب وترفان .
 آه هل أنا متعبة إلى هذا الحد ؟
دون رغبة فى شئ أخذت أصرخ ، أصرخ خارجة من اللوحة ؛ كانت الخلفية غير الواضحة لمسجد كبير ، ومشربيات جد جميلة ، مشغولة بحنكة الصانع الذى دقق كثيراً فى جميع التفاصيل .
الخشب يحمل رائحة الأيام فتطير سعادة لزمن سابق ؛ الأفاريز تخرج منها حكايات المارة والصانع ؛ تحكى الأفاريز تاريخاً كان يتحرك ويتلون ويصبغ الأيام بصبغته .
 مملوك فوق جواده يمر متنزهاً بين مقتنيات اللوحة وأمامه يجرى رجلان يفسحان له الطريق ، سقطت رأس المملوك تدحرجت تحت أقدام الجميلة خارجة من حمام قديم فبان وجهها جميلاً صافياً ؛ حياها الفارس وتمهل ملياً وهى تلتقط اليشمك والحَبرة وتعيد وضعهما من جديد .
 الأيام والأزقة والمرأة ورأس المملوك وتحية الفارس وبسمة الجميلة كل هذا لم يبعد صوت المارة ؛ والموسيقى الداخلية المنبعثة من المحل تمنع تأملى للوحة .
تبدلت الموسيقى بأغنية شائعة " بابا قول لماما بح ، بابا أوبح "
 دارت عيناى المتأملة اللوحة تجاه الفارس ومددت يدى أمسك المهماز تركنى وسار عبر الأزقة .
 " هنا كانت ترتكز فتاة على حافة السور خارجة من زمنها ، من أيامها  والآن تمر محملة بعطر رخيص وسنوات بعيدة "   
  إنها اللحظة .. وتمر .. تاركة السور والشارع ونهداها عالقان على الحافة ومرت هى من المحل ، والأخرى من الصورة ؛ هى من الشارع ، والأخرى من لوحة بعيدة ؛ هى من حافة السور ، والأخرى من زمن قديم ؛ هى من الزمن الأتى ، والأخرى من العصر الفاطمى أو المملوكى .  
  " إنها القاهرة القديمة " 
مبانيها ، ضواحيها ، أفاريز الجامع ، خشب المشربيات ، المملوك والفارس والفتاة ورائحة بخور المر فى يد الدرويش يثير فى اللوحة دخانه ، طاقاته ، خرفاته ، خرقه البالية ... وتذوب اللحظات البطيئة فى ثلجية مفرطة بين عين الواقفة المتأملة ، وعين الجميلة فى اللوحة العالية المعلقة من زمن بعيد بعيد وقديم .
إنها الآن ترتبك تريد أن تحدد ملامحها بعد أن زهقت من الفوضى والإرتحال تريد أن توضح ماهية الأشياء تريد أن تقبض على اللذة الهاربة والمتعة الأبدية .
إنها الآن :
تقرأ مثل تلميذات المدارس ، تضع خطوطاً تحت الكلمات والجمل المهمة المدهشة والمثيرة بين قوسين ولكن ما يجرحها هو المرأة الجميلة الباسمة للفارس هل مازالت تتحرك ؟
تدفع اليشمك والحَبرة ؛ تبتسم تلملم طرف الثوب من قاذورات الطريق ؛ ماذا لو قابلت هذه المرأة مرة أخرى ؟ هل لها نفس الملامح ؟
الجمال !
هل هى تبتسم ؟  أشياء أريد معرفتها أكثر من ذلك أتمنى أن أرى ما خلف المشربيات ، أسمع صوت المغنيات منبعثاً من الحريم ورائحة البخور المر المتطاير عبر اللوحة وتطويح الدرويش لمبخرته بذراعه كيف رأها الفارس عندما رأته ؟
رغم أنى محملة بأنثى خارج اللوحة وموسيقى خارج السياق وصوت الباعة الجائلين إلا أننى أبحث عنها بشكل أوسع ومفرطاً فى الدهشة ، نعم إنى أبحث !
وسأظل محملة بعبء البحث والمعرفة وإلحاح الذاكرة وتاريخ اللوحة .
ولكن كيف أرى إنسانية البسمة ؟ والوقفة وإرتباك اللحظة ؟ وإلتباس البوح ؟
وقفت مشدودة فى حوار مفعم بالقلق .
 " يا صاحبة الطقوس "
والمفجر الأساسى للمشهد ، أذكر لطمة أمى على وجهى لحظة قررنا ( أنا وزوجى ) أن نعيش الليلة الأولى ( عادى ) دون إشتغال .
"يا سيدة الطقوس "
  إفتحى ذاتك ، اللوحة ملء عينيي ، ما هى رغبات اللحظة ؟
 ( الفارس ) كان لطيفاً متفهماً حاول تدريب رغباته دون ترك لحظة العشق البدائى دون إشتعال ؟!
" يا سيدة الزمن البعيد "
 إنى أصغى إليك فتحدثى وأذكرى لى مبعث ألمك وسعادتك ؟
أخذت أغلق سوستة الجاكت وأستعد للخروج ، إسترخيت على الكرسى وأرحت ظهرى ، مددت يدى متنهدة   .
ـ  ياه الدنيا برد قوى  .
 على باب المقهى فردت أصابع يدى اليسرى فى تحية حارة للجالسين ، الصمت يحيط بالمارة ، باللوحة ، بالجالسين فى هدوء المكان ، كان لى أكثر من عام لم أجئ إلى هنا ، كم كان مريحاً بالنسبة لى الخروج ببطء من الماضى والإتيان لأكل سندوتشات ( الفول والطعمية ) والمشى فى شوارع القاهرة .

" إنها الدهشة الأولى "
أشير كطفلة لكل ماهو جديد ومثير ، ألتقط سريعاً كلمات المارة ، حوارتهم ، ضحكاتهم ، طريقة ملابسهم ، وسيرتهم فى الطريق ؛ إرتديت الجينز والتى شيرت وأتيت كم كان مريحاً بالنسبة لى الخروج من اللوحة القديمة ومشاهدة النيل والشمس الغاربة كل ذلك يثير فىَ أحداث الماضى وحواديته .
 تحدثت فى همس : أريد صورة كبيرة لى الآن كى أعلقها عالياً  .
 ياريت ... 
صورة كبيرة للقاهرة الآن ، دون فارس ، دون مملوك ، دون الجميلة واليشمك والحَبرة ، دون الدرويش ومبخرته ورائحة بخور المر ودخانه ، دون أن أكون بداخلها  .
 تنهدت بطفولية كيف ؟
طرت أجرى ، أمرح ، واليشمك يتطاير عبر الصورة من الجميلة الباسمة ..
أحب الشمس والفوضى ، أريد الدخول من الباب الكبير ( باب النصر ) أخرج علبة سجائرى وأشعل واحدة .


بنات في  بنات!
بقلم: بهيج إسماعيل
 *"كل مرة يمحون فيها شخصي كنت أختفي من الوجود. وحيدة ومن عيني تسيل دموع. كنت أمشي وراء تابوتي. كنت أربط عقدة في  منديلي ولكنني كنت أنسى أن هذه لم تكن موتتي الأولى فأبدأ الغناء من جديد".
هكذا تبدأ "صفاء عبد المنعم" مجموعتها القصصية بتلك الأغنية من الأرجنتين.. ولابد أن بتلك الأغنية قد وافقت هوى في  نفس الكاتبة.. أو أنها رأت فيها شيئا منها.. والحقيقة أن تلك الكلمات تكاد تعبر عن إنسان العصر بوجه عام.. ذلك المحيط اليومي المحكوم عليه بالحياة..
"ماذا أفعل بكل هذه اللهفة والخوف ماذا أفعل وأنا أقترب من الأربعين برجل يلعب معي في  أوقاتي الضائعة؟
ماذا أفعل وأنا لا أستطيع أن أخبر أمي بأنني صرت قديمة؟
قديمة مثل البيت، والباب، وضلفة الدولاب، مثل كنوزي التي  أجمعها من الأسواق، مثل الحروب التي  انتهت.
ماذا أفعل وأنا بكامل ثيابي أنام منفردة، ويأتي الصباح، ويأتي المساء، وورائي أم وحيدة تبكي؟ ماذا أفعل بكل هذا الشتاء في  ديسمبر؟
بالأمس ـ ولأول مرة في  حياتي ـ صبغت شعري أخذت الصبغة ودهنت بها رأسي، فضحكت بحرارة وداعبتني
ـ والله وشعرك أبيَّض يا وزة!
أكملت مداعبتها:
يالله بقى حسن الختام
ـ ماذا يكون نصيب امرأتين في  الحياة تقتسمان زجاجة الصبغة؟ الأولى تكبر وتشيخ وترفض الموت.. والثانية تضع زجاجة الصبغة على شعرها، وتزجج حاجبيها، ولا تزيل شعر الساقين؟!
ماذا يكون نصيب امرأتين في  الحياة التي  أغلقت عليهما الباب وتركتهما؟"
بقدر ما تلوح لنا "صفاء عبد المنعم" في  تلك المجموعة جريئة في اقتحامها للغة وللأبواب السرية بقدر ما تتبدى لنا لمساتها لتلك الدموع الحبيسة في  القلوب وحيدة تئن في  العميق، لكنها قليلا ما تبين "ستفسد روحها حتما، طالما هواء الحجرة لا يتجدد، وطالما تعبئ صدرها بالإعلانات".
" في الصباح أحسست أني أريد أن أندس وسط الناس والزحمة.. ذهبت إلى وكالة البلح وظللت أسير وسط المحلات، وطوابير الناس، أستدفئ بصمتهم، أخرج من شارع إلى شارع، إلى أن ذهبت إلى ميدان العتبة، دخلت من عبد الخالق ثروت إلى طلعت حرب إلى ميدان التحرير إلى كوبري قصر النيل، ظللت سائرة إلى أن تعبت، رأيت البرج أمامى، صعدت لأشرب شايا، طلبت قهوة، وجلست أنتظر أحدا".
*الشتاءات كثيرة في  عناوين القصص.. شتاء.. وشتاء آخر ثم شتاءات عدة حتى قصتها الأخيرة امرأة من ديسمبر يقبع داخلها الشتاء أيضا.. إنه الإحساس العميق ببرد الحكاية النابع من برد الوحدة.. أو على الأدق الإحساس بالوحدة.. والحقيقة أن هذه الإحساس نابع بالتراكم من إحساسها المرهف بأحزان كل من حولها.. كأنما هى مسئولة عن كل ما يحدث.. لأهلها ولمجتمعها ولكل المستضعفين حولها:
"الحياة الآن هي أولى أن تعاش أم هي محاولات أخرى للحكي، ونريد أن نحياها، أو نقبض عليها كاملة؟ أعرفك أن "عمر نجم" مات نتيجة أزمة قلبية مع أنى رأيته يوم الثلاثاء في  الأتيليه وكان يضحك.. كما مات "أنور كامل".. مات في  صمت المحبين الهادئ دون إزعاج كما مات "خالد عبد المنعم" في  وداعة وحب..
رأيته قبل موته بثلاثة أيام كان يحمل "هاميس" ابنه "مجدى الجابرى" يقبلها.."
إنه الموت المفاجئ، المتلاحق، الذي يداهم فى غفلة غير عابئ بالعمر أو التوقيت أو المنطق "خلاص.. هسلم لقوة منطق الحياة.. ومش هاروح الشغل!"
إنها تكتب عن صديقتها "أروى صالح" التي  أخذت الحياة وقفزت بها من حالق إلى أسفلت الشارع لتكتب بنفسها كلمة النهاية.
*قد تكون مجموعة "بنات في  بنات" حاملة لجرعة كبيرة من الشجن والأسى.. رغم العنوان.. إلا إنها تحمل أيضا قوة الإرادة التي  تحاول التشبث بالحياة ـ فذلك هو بالتحديد قدر الإنسان وهو أيضا سر عظمته ونبالته فإن كان الوعي كفيلا بأن يورثنا الحزن والإحباط فإن "الوعي الحاد" كفيل بدوره أن يجعلنها ندير "الدولاب" إلى الناحية الأخرى حيث يختبئ الانتصار.. أو كما تقول الأغنية.. "فهذه لم تكن موتتي الأولى لذلك.. سأبدأ الغناء من جديد"
الأهرام المسائي

الأحد:8 /4/2001
ياليل يا عين!
صفاء عبد المنعم
عطر الأحباب
هكذا غنى يحيى حقي أغانيه الجميلة.. وعندما يضيق بي الحال نفسيا، أذهب إليه.. أتنفس في رحابه فتعود نفسي ممتلئة على أخرها.
عرفت يحيى حقي في أوائل الثمانينيات عندما كنت أخطو أولى خطواتي الأدبية..
قرأته كاملا وعرفته عن قرب، زاد شغفي به وولعي بأسلوبه، فتعلمت منه (اختيار اللفظ).. كلمة واحدة فقط تؤدي المعنى ذاته، وليس بديلا عنها أي كلمة أخرى، فأبعدني عن الترهل والثرثرة والحشو. فبعدت عن الطريقة التي يلجأ إليها بعض الكتاب من فقر في الروح أو جدب في الفكر بالثرثرة والتكرار.
وأحببت عنده التقاطه من (اللعبة الشعبية) كلمات وتراكيب بذوق وحس مرهف.
تعلمت هذه الخاصية وتوالت كتاباتي مانحة إياي شرف هذا الالتقاط، فتأتي الكلمات في سياقها مشحونة بطاقة حب ومحملة بإيحاءات من تراث الشعب وروحه وخبراته (لقد عشقت هذه الشعب) لا تحل مكانها كلمات فصيحة مهما حاولت، فهي تعطى مدلولا آخر ومعنى آخر وسياقات أخرى.
ولكن هذه الكلمات (الآتية من ذاكرة الشعب ومحملة بروحه) لا بديل عن مذاقها اللاذع، ورائحتها المحملة بخبرات السنين الطويلة.
فالمصري مولع بالغناء مرهف الحس، شجي.. حياته سلسلة من الحب والغناء والعاطفة الجياشة وهذه الكلمات لها عطرها الخاص.. فهو كاتب يستطيع أن يجعل البساط أحمدي، ويتبسط مع القارئ، وهذه البساطة لا تأتي إلا بمعرفة وثيقة بالناس ومخالطة بهم، خاصة البسطاء منهم، وأنا أشبه أستاذي في ذلك، فعملي كمدرسة في بيئة شعبية (مثل المطربة) فتحت أمامي مغاليق وروح هذا الشعب من موال وتراث، وأفكار.. أستاذي الجليل صاحب الدقة والضبط والتحديد وانطباق الكملة والمعنى مثل انطباق الجسد والروح.
ـ الملاحظة..
تدع الفنان يدخل إلى عالم القص المتوهج بالحياة، والقادر على تجسيد الشخصية والحدث.
ـ صمت الكاتب.
لايقل عن إفصاحه، قدرته على البوح.
ـ أن يكون الكاتب شاهدا أمينا على عصره.
يصف ويحلل ما حدث..
(صح النوم) عندما طرد يحيى حقي من (المجلة) عام 70.
وعرضت عليه الجامعة الأمريكية طبع الأعمال الكاملة عام 71.
أدرك بشاعة ما سيحدث بعد ذلك، وزحف التخلف العقلي.. وتم إغلاق 7 مجلات ثقافية، ورفض العرض الأمريكي وتوجه إلى هيئة الكتاب لطبع أعماله، ورغم قلة العرض مقارنة بالآخر قبل الفتات، مقابل رفض التكالب على المال، ونجح بدبلوماسية في ترسيخ تقليد جميل هو.
ـ إصدار الأعمال الكاملة من هيئة الكتاب.
ـ وتوفر أعماله في أيدي القراء وانتشارها.
(البوسطجي)
في اليوم التالي لوفاته، مع نشر نعيه، طلب ممن يقرأ نعيه، أن يقرأ له الفاتحة، وطلب من أهله سرعة دفنه، وأوصى ألا يقيم له أهله سرادق عزاء.
فاتحة أخيرة على روح أستاذي الجليل يحيى حقي.
(من باب العشم).
أخبار الأدب

25 أبريل 2004

من حلاوة الروح

ناصية
حلاوة هذه الروح
أحمد الخميسي
لصفاء عبد المنعم أربع مجموعات قصصية، ورواية أولى  هي "من حلاوة الروح" صدرت عام 2001 ورواية ثانية جديدة صدرت هذا العام عن مكتبة الأسرة هي : "ريح السموم" علاوة على ذلك فإن هناك ثلاثة أعمال أخرى في طريقها للنشر عما قريب. وهكذا فإننا  أمام كاتبة شابة نسبيا لديها نحو تسعة أعمال أدبية وهو معدل أكثر مما هو مألوف لمثل هذه السن، وربما يكون الدافع إلى ذلك الإنتاج الوفير حرص الكاتبة على الاستمرار وإخلاصها لقضية الأدب،  أو أن هناك درجة من التعجل عند صفاء عبد المنعم في صياغة تجربتها. وأذكر بهذا الصدد أن كاتبا كبيرا كان يكتب وينشر في مطلع حياته كثيرا، إلى أن بعث إليه أحد الأصدقاء برسالة قال له فيها: "لا تبدد مبكرا كل ما لديك من مخزون". هناك موضوعات تستحق من الكاتب أن ينتظر ليس فقط إلى أن تختمر هذه الموضوعات، ولكن إلى أن تختمر نظرته إلى الكتابة، فلا يهدرها. القضية الرئيسية في اعتقادي عند تناول كاتب ما هو السؤال عن جديته، وعمقه، عن نظرته الخاصة، وعن علاقته الوثيقة بالتعبير عن عدمها. من هذه الزاوية فإن صفاء عبد المنعم موهبة كبيرة وحقيقية ولا يختلط رنين صوتها بأي صوت آخر. ويكفي للقارئ أن يطالع مجموعتها القصصية المسماة "بنات في بنات" (هيئة الكتاب) ليتأكد من ذلك، ولكن الانتقال من تلك المجموعة القصصية إلى رواية "من حلاوة الروح"  ثم إلى الرواية الأخيرة "ريح السموم" يضيف إلى صورة صفاء عبد المنعم بعدا آخر غير جديتها وعلاقتها الوثيقة بالتعبير الأدبي، ذلك أن قراءة تلك الأعمال الثلاثة معا تكشف بوضوح عن تجربة متعددة الأصوات تتحرك من مجال إلى مجال، ومن عالم نفسي واجتماعي وفني، إلى آخر. صفاء عبد المنعم في كل ذلك هي صفاء عبد المنعم. لكن حيرتها تنتقل وتتحرك وتفتش عن نفسها، انظر "بنات في بنات" لترى عالم المرأة إذا جاز القول. ثم انظر بعد ذلك مباشرة إلى "حلاوة الروح" لترى الكاتبة وهي تقتحم العالم الموضوعي بالبحث عن سيرة عدة عائلات يقتلها الفقر في حي عشوائي. والآن اقرأ "ريح السموم" لترى كيف تبحث الكاتبة في موضوع مختلف تماما ينتسب حسب التوصيف القديم إلى باب العلاقة بين الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية، أو ينتسب إلى عذاب البشر بين عالمين ومجتمعين. ويتضح هذا التردد الفني والفكري الخصب أيضا على مستوى الطرق الفنية والتعامل مع اللغة، فقد كتبت "من حلاوة الروح" كاملة بالعامية، وبدت فيها  الشخصيات كأنها تقف على منصة مسرح أقرب إلى الكورس القديم. في "ريح السموم" تلجأ صفاء عبد المنعم لوسيلة معروفة هي عرض الحدث من وجهة نظر عدة شخصيات لا تكتب  صفاء عبد المنعم موضوعا واحدا  تتبدل صياغاته. ويبدو لي هذا التجدد، والتجريب، أقرب إلى التأمل بالممارسة في شئون الحياة والكتابة معا، وهو تأمل قد يلوح مضطربا في بعض الأحيان، لكن هل هناك كاتب حقيقي يخلو من هذا الاضطراب الخصب الذي  يشبه حركة ألسنة اللهب في اتجاهات مختلفة؟ لا تحاول صفاء أن تخفي كل هذه الحيرة. بل إنها على العكس من ذلك تعلن دهشتها من "أولئك المستقرين الذين يتكلمون وهم في وضع ثابت وآمن وبثقة، كأن العالم استقر واتضح أمامهم". وفي روايتها "ريح السموم" تقول صفاء على لسان إحدى شخصياتها "عليك أن تخطئ قدر ما تستطيع" هكذا تجرب صفاء قدر ما تستطيع لكنها تجرب على مستوى الرؤية والوسائل والمادة بأصابع كاتبة حقا. وقد يكون السؤال الذي  يعذب صفاء عبد المنعم، وليس ثمة كاتب أصيل من غير ذلك هو: أي عالم نعيشه؟ وكيف يمكن أن نراه؟ وما الذي  ينبغي لي أن أفعله تجاه هذا العالم؟.
في روايتها الأخيرة "ريح السموم" ترفض صفاء عبد المنعم أن تسكن "خانة ثابتة من الاطمئنان والخشوع والوهم" ولذلك تطرح قضية الشك في التقاليد والمعتقدات والمجتمعات وتعلي على كل ذلك الحب.. هناك حكاية وديع المسيحي الذي  أحب فاطمة وهما صغيران، ثم كتب في غرامها قصيدة وحيدة تركها أمانة لدى مروة العبد، وهاجر إلى الخارج. هناك مصير فاطمة التي أجبرها أخوها على الهجرة معه إلى الخليج والزواج من شيخ عربي كان أخوها يعمل عنده. هناك قبل ذلك قصة العمة عاليا التي تزوجت فرنسيا وهاجرت معه إلى باريس، وأنجبت منه سليمان، ثم عادت إلى مصر. هناك مصير مروة العبد ذاتها التي عاشت في باريس وعادت إلى القاهرة ثم قررت أن ترجع إلى وطنها. إن صفاء تجرب  ليس فقط على مستوى المادة وطرق الكتابة والرؤية بل وعلى مستوى الشخصيات حين تعرضهم للهجرة، واحدا بعد الآخر، من هناك إلى هنا وبالعكس، لتنظر إليهم وتسأل نفسها: والآن أين هو الصواب في كل ذلك؟ تسعى صفاء عبد المنعم بالكتابة إلى معرفة العالم، واتخاذ موقف منه. ولديها أن ما تكتبه سيحدد موقفها من كل شيء. وليس العكس ومن المؤكد على أية حال أننا أمام صوت أصيل يبحث بحرارة عن طبقة الصوت الأجمل عند إنشاده هذه النغمة أو تلك
أخبار الأدب
25/1/2004


من حلاوة الروح

كتاب في كلمة
                         وكلمة في كتاب
* من حلاوة الروح "رواية بالعامية"
* صفاء عبد المنعم
* كتاب رؤى
* القاهرة
علاء الديب
هذه كاتبة تسبح ضد التيار، وتقدم نوعا  من الفكر والأدب يختلف عن السائد والموضة، كتابة عن الناس ولهم تكسر بفنية حاجز اللغة،  وتكتب عن قاع المجتمع بلغته وصوره وتصوراته.
"من حلاوة الروح" رواية واقعية عن حوش تسكن فيه مجموعة من العائلات المهمشة حول زمن النكسة ووفاة عبد الناصر، تقع الرواية في حوالي 60 لوحة فنية، لكل لوحة عنوان مستقل ولكل لوحة نغم وإيقاع لكي يشكل الجميع في النهاية عملا موسيقيا متعدد الأبعاد والأعماق، فاتن فيما يصنعه من تموجات سمعية وبصرية تبعث حية، هذه الحياة الخشنة القاسية، والفاتنة الدافئة والمثيرة في شكل خاص بها لا هو تقليدي تقريري جامد، ولا ينتمي في نفس الوقت إلى تيارات الحداثة الذاتية الغامضة التي تختلق للأدب وظائف مختلفة غير تلك التي نعرفها، والتي تتمثل في الكشف والتنوير، التي تعتمد على تصوير الواقع ليبقى للأدب معناه ووظيفته كواحد من أهم الوسائل لتحقيق التحرك الاجتماعي والوعي الإنساني بقضايا المجتمع ومشاكله. ليس الأمر في الرواية القصيرة خطابيا إلى هذه الحد ولكنه شعور بالمحبة والمسئولية الاجتماعية يصنع طريقة الكتابة والتناول في نوع من المشاعر بادت وانقرضت تحت أنوار حارقة لرأسمالية متوحشة وعولمة فجة تكتسح أمامها كل شيء. هل  تقف الكاتبة عند حدود الفكر والرؤية الاشتراكية؟ لا أعتقد أن المرء يقف عند هذا الحد، ولكنها تكتب عن هذا العالم بنوع من المحبة والفهم والانتماء فتخرج روايتها "إلى الذين رحلوا وتركوا مساحة أسى في القلب" ثم تقدم هذه الرواية بصورة كأنها الوشم الشعبي: "قاعد لوحدك بين سبع ببيان/ متفتحين عليك، وتفك زراير القميص من العرق/ وصهد الذكريات اللي ابتدى يقب عليك فجأة../ دا من حلاوة الروح".
في تاريخنا الأدبى رواية واحدة ـ فيما أعلم ـ كتبت بالعامية هي رواية "قنطرة الذي  كفر" لمصطفي مشرفة، التي كتبت في الأربعينيات، في مرحلة التجريب والأشكال الفنية الجديدة ولكنني أعتقد أن استعمال الأديبة صفاء عبد المنعم في روايتها هذه للغة العامية ليست من باب التجريب في الشكل ولكنها تقصد التمسك والاحتفاظ بنوع من الحس الاجتماعي والمسئولية الإنسانية عن طبقات فقيرة ما زالت تشكل أغلبية المجتمع ولحمة الحي. والتي لا يستطيع كل الكتاب البرجوازيين، إنكار وجودها وأهميتها فهي الطبقات "الغنية بالصور، المتدفقة بالخصوصية والحياة"، ومهما كانت القشرة التي تغطى مجتمعنا براقة تزداد سمكا وغلظة، فإن القلب يدق هناك والدم يتدفق من هناك: "والسما زي الحرير، والقمر فوق باصص، طبق مدرو كبير والقفص الجريد في الركن مكانه زي إمبارح، وأول، وكل يوم وهي نايمة، وباصة لفوق، وسرحانة، وبالراحة بالراحة قوي، رحت ماشي، بشويش على أقل من مهلي، وناطط مرة واحد.."
أحداث الرواية تدور في الزمان والمكان صانعة نوعا من الدوار الذي  تضعه الألعاب الشعبية حيث يدور الإنسان وتختلط الصور والألوان. وهى تقع كلها في حي المطرية الغني بالتراث الشعبي وأساطير "العدرا" والموالد، والأولياء وبقايا الفراعنة وأساطير التاريخ: انظر إلى تلك المرأة التي تدور بحثا عن ابنها الذي  غاب واختفى ولا يريد أن يعود:
"زرت أولياء الله الصالحين، فتحت المندل، شفت الأثر، ولا حس ولا خبر، ولدي ضاع يا ناس، ابني ضاع يا خلق، ابني راح ولا رجعش، رحت وخوضت في زفارة السمك، ما خليتش مطرح جيبتها من عزبة العقاد، للميدان لشارع المطراوي للأمون، لمساكن شجرة مريم، لسوق سميكة ولفيت من ورا الكنيسة وعديت رحت أرض البلسم والخارجة ومحطة القطر، ولفيت ورجعت عين شمس ع المسلة على شارع التروللي، ورجعت تانى على الميدان، رحت القفاصين والزاتون، ماخلتش لحد وابور المية ورجعت واندرت على الطرب القديمة بشارع الصحة بداير الناحية وجيت من عند سيدي إبراهيم لفيت المطرية لف، أنا قلقانة".
وتختم الفنانة روايتها  ومجموعة لوحاتها بلوحة أخيرة عن "وفاة عبد الناصر" تحت عنوان: "ماحد عارف دي مظاهرة ولا هوجة".
الناس هاجت من بيوتها، ودايرة تلف وتعدد حتى العيال، ما حد عارف دا بكا ولا نواح.. اسمعي كده.. اسمعي.. اسمع العيال بيقولوا إيه: "ساب لك إيه يا حبيبة حبيبك لما مات.."
هاجت الناس هاجت، وكل البيت خرج صغير مع كبير والناس نسيت الحرب والنكسة، وما افتكرت إلا حبيبها اللي مات.
غنوا يا ولاد، قولوا "سابلك إيه يا حبيبة حبيبك لما مات"
نوع  من الكتابة الشعرية المتدفقة تصنع رواية غنية وخاصة وفريدة.
جريدة القاهرة
6/9/2005

من حلاوة الروح

د. عزت تقرأ هذه الرواية الفاتنة
"حلاوة روح" صفاء عبد المنعم
فرق كبير بين تعبيرين عاميين لا اختلاف بينهما من حيث الصياغة.. إلا في حرف الجر "من"، في حين أن الفارق بينهما من حيث المعنى والدلالة كبير جدا.. بل شاسع، فإن تقول:  "حلاوة الروح" فذلك يعنى الجمال الخفي غير المرئي لإنسان لطيف وخفيف الظل، وقلبه نقي شفاف يشي بما في داخله، وينعكس هذا الباطن الحلو على سلوكه فيحبب الناس فيه، وبين أن تضيف حرف الجر "من" إلى هذا المصطلح الشعبي، لتعطى دلالة مختلفة تماما! فيصبح المعنى "المعافرة أو الفرفرة قبل الاحتضار"، أو ما نشاهده من حركات الغريق أو الذبيح.. قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة تشبثا بالحياة.
هذا بالضبط ما استشعرته منذ الوهلة الأولى لمطالعتي رواية القاصة الروائية صفاء عبد المنعم، المعنونة "حلاوة الروح"، والمصاغة بكاملها باللهجة العامية المصرية، التي عكست خفة وحلاوة روح القاصة وقدرتها على تقديم واقع مرير بأسلوب خفيف، ومع كل طي لصفحة من هذه الرواية تأكد لي تمكن الكاتبة من مفردات هذه اللهجة الحلوة والثرية، التي لا تقل بحال  ـ إن لم تكن تزيد ـ حلاوة وثراء عن اللغة العربية الأم.. بكل جمالها وجلالها، وكثرة مترادفاتها، ودقة الفروق بين مفرداتها، وما تسوقه إلينا ألفاظها ومصطلحاها من دلالات.
هذا وقد أدركت ضرورة ـ لا بل حتمية ـ التجاء الكاتبة لصياغة روايتها بالعامية.. دون الفصحى، لتعبر بصدق متناه عن واقع ما يجري من أحداث ومواجهات، وصراعات في مجتمع عشوائي يعافر ويلاطم أفراده مع الحياة وأنوائها، وتصعد وتهبط به أمواجها، فتغرقه تارة، وتطفو به تارة أخرى.. ولكن ليس إلى السطح.. بل إلى مستوى أعلى قليلا  من القاع السفلى للمجتمع، إلى الحد الذي  يتصور معه هؤلاء الأفراد أو الشخصيات أنهم يعلون على واقعهم المرير.. غير مدركين أنهم لم ولن يطفوا بحال من ألأحوال  على السطح، فهم في القاع دائما.. دون أن يغادروه!! فهم يسكنونه وهو يسكنهم.. يتمرغون في أوحاله، ويدمي كل منهم الآخر في صراع متنام يخرجون منه خاسرين دائما الغالب والمغلوب يتصارعون في قاع ضيق رغم تفاوت مستوى هذا القاع! يتصارعون دون وعي منهم أنهم جميعا ضحايا لمجتمع قاس، ولظروف ظالمة لهم جميعا.
الحقيقة أن رواية صفاء عبد المنعم " من حلاوة الروح" قدمت للقارئ المصري لغة بسيطة وعميقة في آن معا، ولم تتعال عليه.. إذا كان من البسطاء، والمبتدئين والعامة من القراء، كما أنها قدمت للمكتبة العربية وللقارئ المثقف ـ أو حتى الرافض لفكرة صياغة رواية بالعامية ـ متعة حقيقية، تعكس اتساقا بين لغة السرد وطبيعة الأحداث، والشخصيات المرسومة بدقة.. ودون أن يتعالى الراوي على شخوص روايته، لينطقهم بلسان غير لسانهم.
هذا وإن كانت صفاء عبد المنعم ليست رائدة في هذا المجال.. إذ سبقاها يوسف القعيد في روايته "لبن العصفور"، ومصطفي مشرفة في رواية "قنطرة الذي  كفر" وغيرهما .. إلا أن  صفاء وبحس المرأة المصرية، حاملة الثقافة الشعبية، وناقتلها عبر الأجيال، قد تفوقت على كل من سبقوها إلى كتابة رواية بالعامية، من حيث التمكن من التعبير، وإنطاق الشخصيات كل بما يناسبه تماما كحوار، كما أن استخدامها للمصطلحات الشعبية والكنايات والاستعارات والأمثال والعديد والغناء الشعبي قد جاء في موضعه تماما، معبرا بصدق ودقة عما تقصده بما اقتبسه، من بحر الشفهيات الشعبية من عبارات وتشبيهات وصيغ.
ذلك كله على مستوى الحوار ومدى توظيفه كعنصر أساسي في السرد الروائي.. كبديل لاستخدام الوصف، الذي  بات يملل المتلقي، الذي  تعود على التلقي المختصر السريع، والمباشر  في عصر الرؤية والسمع من خلال وسائط مسموعة ومرئية.. وليست مقروءة، فنجد أن صفاء عبد المنعم أخذت بيده بالأسلوب الذي  يناسبه، ويثير شهيته ويثير شغفه للاستمرار في المطالعة، فقسمت فصول روايتها إلى ما يشبه المشاهد المرئية، التي يغلب فيها الحوار على السرد والوصف، فلم نجد الكثير من الوصف .. إلا إذا اقتصت الضرورة، لتوظيف الوصف في موضع لا مفر فيه من استخدامه كأداة من أدوات القص الروائي المكتوب.
هذا ولم يشعر القارئ للحظة أن صفاء عبد المنعم قد تعسفت في بنائها الروائي، لتضع عنوانا لكل فصل، يبتر تسلسل الأحداث في مخيلة القارئ المسترسلة.. بل جاءت عناوين الفصول وكأنها جزء لا يتجزأ من الحكي الروائي، وكأن جملة العنوان جزء متمم لأحداث الفصل السابق، أو جملة افتتاحية لأحداث الفصل التالي.
أما عن زمن الرواية في حقبة نهاية الستينيات وأحداث النكسة، وهجرة سكان مدن القناة، ومنافستهم لسكان حي شعبي من أحياء القاهرة في الرزق، وتأثيرهم عليهم ماديا ومعنويا، واكتساب سكان هذا الحي لبعض مهارات هؤلاء المهاجرين.. رغم سخطهم وتبرمهم من مزاحمتهم لهم في مصادر الرزق الضيقة، فأرى أنه كان اختيار موفقا جدا من الروائية صفاء عبد المنعم.. إذا كان هناك ثمة تعمد لاختيارا زمن الرواية.. وأنه لم يأت عفوا، لأن بعض الأحداث الواقعية التي أثارت رغبتها في القصة كانت تدور في هذه الحقبة الزمنية بالذات.. وإن كنت قد أحسست.. بل أدركت أنها تخيرت هذه الحقبة بالذات، لأنها أرادت أن تسقط ملامح هذا الصراع من أجل  البقاء على ما يحدث من صراع داخل العشوائيات، التي باتت كثيرة ومتناثرة على أطراف مدينة القاهرة بكل أحيائها.. حتى دون أن يكون هناك دخل، أو مهاجرون، فسكان هذه الأحياء يفد إليهم ويرحل عنهم أناس كثيرون دائما، يأتون ليقاسموهم لقمة العيش، ويصارعوهم عليها، ثم ما ينفكون يرحلون إلى عشوائية أخرى.. أو لعلها أرادت أن تشير إلى صراع البشر داخل العشوائية المجتمعية التي نعيشها الآن ونعافر فيها من حلاوة الروح.. لكن الواضح من إنهائها لروايتها بوفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وما شعر به الناس من يتم حقيقي وضياع، يشبه الاحتضار أو معاناة ما قبل الاحتضار ، التي يسميها الوجدان الشعبي المصري "من حلاوة الروح".
ولعل أبرز الملامح الشعبية التي ركزت عليها صفاء عبد المنعم في روايتها "من حلاوة الروح" النسيج الواحد للشعب المصري، وما يجمع بين عنصريه من وحدة في العادات والتقاليد.. بل والمعتقدات.. حتى الديني منها، مهما اختلفت ديانتهم، فنجدهم في الملمات والمصائب لا يفرقون كثيرا بين ولي من أولياء الله.. مسلما كان أم نصرانيا، فيجتمعون على طلب العون منه بالتبادل دون تفريق.. ولعل ذلك ما حدا بالرواية إلى اختيار مكان أحداث الرواية في حي المطرية، وما يحيط به من أحياء لتلتجئ شخصيات روايتها إلى سيدي المطراوي أو شجرة مريم، أو كنيسة العذراء ـ التي قيل بظهور العذراء فيها ـ في حي الزيتون، القريب من موقع الأحداث في الرواية، فكان اختيار المكان موفقا جدا من الروائية، ومناسبا تماما للمعاني التي ترمي للإشارة إليها من خلال عرضها للوقائع.
أما عن أسلوب العرض على طول الرواية، فأرى أنه أقرب إلى العرض المرئي منه إلى العرض المطبوع ـ حتى وإن كان أمام رواية مكتوبة ـ فالفصول كانت أشبه بمشاهد السيناريو السينمائي المحكم ـ ولا أقول التليفزيوني المترهل ـ فالتقطيع كان شبيه بالمونتاج الجيد، حافظت فيه الراوية على التقطيع السريع، الذي  يصعد الأحداث، ويحافظ على إيقاعها في نفس الوقت، ولا يقود القارئ بحال للحظة ملل واحدة، أو حتى لحظة شرود عن مجرى الأحداث المتلاحقة، واستعراض الملابسات الخاصة بكل شخصية، مع الحفاظ على الخط العام للرواية، وأحداثها المتشابكة.
أما عن شخصيات الرواية فقد رسمت بدقة وإحكام، ولم تفلت من الكاتبة أي   لحظة يشعر فيها القارئ  بصدور أي   سلوك أو تصرف، أو تعبير يتناقض وملامح كل شخصية، فالكاتبة لم تتعال ـ كما سبق القول ـ على شخصياتها، وحركتهم كلا وفقا لملامحه الشخصية، كما أنطقتهم بالحوار الملائم لكل منهم، ولعل حبها لشخوص روايتها هو ما جعلها ترسمها بشكل يجعل القارئ يتعاطف مع كل شخصية.. حتى الشرير منها، لأن الشر في رواية "من حلاوة الروح" كان له ما يبرره، وقد أتى في إطار المشروع، بالنسبة لك فرد يعافر من أجل البقاء، و"يرفس من حلاوة الروح"، وقد يضر بمصالح من حوله، ليجد لنفسه موضع قدم في هذا المجتمع العشوائي المزدحم أو المكتظ بسكانه، وبتعارض مصالحهم، وصراعهم من أجل استمرار حياتهم.. وإن ساد منطق القوة وهيمنتها في المجتمعات العشوائية التي يسعى البشر فيها لتقليد بعضهم لبعض والغيرة من تميزهم، ومحاولة توسيع وبناء مساكن جديدة منفصلة لها قدر من الخصوصية على أطراف العشوائية الأساسية من خلال مصادر استرزاق عشوائية غير مخططة أيضا.
الحقيقة أن الرواية جديرة بالالتفات، ولعل ذلك ما حدا بى إلى  الإمساك بالقلم لكتابة هذه الكلمات تقويما لها، ومنحها ما تستحقه  من تقدير، ليس بوصفي متخصصة في الشفهيات الشعبية فقط. ولكن بوصفي قارئة، أستطيع أن أدعي أنى قارئة جيدة لألوان الأدب القصصي والروائي، ومشاركة في الإبداع القصصي القصير، وممن ينبهرون بقدرة الروائيين ـ الجدد بالذات ـ على الإمساك بتلابيب القارئ المتعجل الذي  لم تعد له قدرة أو نفس طويل على مطالعة الروايات .. ما لم تكن على هذا المستوى الروائي المتميز والجديد، والإعجاب بتمكنهم من الحكي الممتع، والمناسب لملامح العصر.. عصر الرؤية أو المشاهدة في آن معا!!
ولذا أقول: إني قد رأيت أحداث رواية صفاء عبد المنعم "من حلاوة الروح" ولم أقرأها فقط، واستمتعت بمشاهدة وقائعها، ومشاركة أبطالها في بطولة جماعية تقاسمت فيها الشخصيات الأدوار كل يكمل الآخر، وشعرت أنى خرجت لتوي من مشاهدة عرض ممتع، أحدث لي قدرا من التأثير التطهير الذي  كان يحدثه فينا الأدب والفن الرفيع، الذي  بتنا نفتقده كثيرا.. حتى بعد مشاهدة الأعمال المرئية! كما أن مطالعة  هذه الرواية قد خلقت لدي رغبة في التفكير في واقع هذه الفئات المهمشة، وحياتها العشوائية، التي نجحت صفاء عبد المنعم في نقلها للقارئ، والربط بين الواقع والأحداث السياسية  الجسام في مصر، ورصد آثار التحولات السياسية على حياة هؤلاء البشر، أو نقل القارئ نفسه ليعيش داخل هذه العشوائيات، وكأنه والكاتبة أحد أفرادها من خلال روايتها الجميلة.. إن لم أقل الرائعة "من حلاوة الروح".
العربي الناصري

15/12/2002

نقد اشتباك التاريخي والأسطوري والفلسفي في رواية امرأة الريح د. هويدا صالح صارت ظاهرة التناص مدخلا مهما لقراءة النصوص الروائية الحد...